"يموت الزمار وصوابعه بتلعب" قالها صديقى السودانى الشايب ضاحكا مداعبا اياى حين جاء ليعودنى أثناء الوعكة التى باغتتنى فى الأيام الماضية ...أما السبب فلأنه وجدنى برغم تواجدى على فراش المرض , فقد كنت أمسك بقلمى وأحاول أن أكتب مقالا تعليقا على أنباء سمعتها فى التلفاز ذلك اليوم...ثم أردف متابعا حديثه :
- حمدا لله على سلامتك يارجل .. ألا تريح نفسك ؟..أليس من الأفضل أن تنتبه لصحتك وتطرح عنك الخوض فى هذه الهموم ؟ على الأقل مؤقتا حتى تتعافى ؟؟!!
- مرحبا ياشيخ أحمد ..تفضل بالجلوس
- والله لقد قلقت لغيابك ..وانتابتنى الظنون أن تكون مريضا فقررت الحضور للاطمئنان عليك
- فيك الخير ..وألف أهلا وسهلا ..حصلت البركة
مد يده ووضعها فوق جبينى ..وبدأ يتمتم بالرقية الشرعية ( وهو بالمناسبة رجل يصغرنى فى العمر بعام واحد ..شديد التدين والايمان ولكن بغير تزمت, ومن حفظة كتاب الله , تجمعنا دائما جلسات يكون محور حديثنا فيها عن الايمان وسيرة الرسول الكريم وأحاديثه ومعجزات الله فى خلقه , سودانى ..ضابط متقاعد وكان والده عليه رحمة الله سفيرا للسودان فى احدى الدول .. وقد تعرفت عليه منذ عدة سنوات حين كانت ابنته وابنتى زميلتان فى المدرسة ..رجل لطيف المعشر محدث لبق ملم بالتاريخ واسع الأفق والثقافة محب للأدب والشعر ...معه لاتشعر بمرور الوقت )
كان قد انتهى من الرقية عندما دخلت زوجتى لتقديم القهوة وسؤاله عن زوجته وبناته ..ثم خرجت لتواصل مهمامها المنزلية ..فيما سألنى هو :
- ماذا تكتب ؟ قصيدة أم مقال ؟
- بل هموم أمة ومحنة وطن
- هل تسمح لى بالاطلاع ؟ أم تفضل النشر أولا ؟
- معقول ياشيخ أحمد ؟ لى الشرف بأن تكون أول من يقرأ
ناولته الأوراق ..وراح يقرأ بينما أنا أتابع ردود الفعل على محياه
فقد كان الموضوع خاصا بالسودان
بعدما انتهى من القراءة ..أعاد الى الأوراق مع ابسامته المعهودةوهو يقول :
- أخاف عليك لو نشرت هذا المقال
- لماذا؟
- ستكون مستهدفا
- كيف؟
- لأن ماجاء فيه صحيح للأسف
- ولماذا الأسف؟
- لأن هناك من يحاول تزييف الحقائق
- لكننى لم أزيف الحقائق ..تعرف أنى متابع لتاريخ السودان منذ عهد الرئيس اسماعيل الأزهرى ..أول رئيس لجمهورية السودان ..
- أنت أكثر ذكاء من ذلك .. أنت تعرف أصحاب المصلحة من هم وما أهدافهم ..وانى أخاف عليك منهم
- يارجل ..وهل بقى فى العمر ما أخاف عليه..ثم ألا تذكر أنى كتبت يوما أن كلماتى قاتلتى ..لكن الكلمة أمانة ولاأملك لها تبديلا ..والعمر واحد والرب واحد وخليها على الله
أما موضوع المقال الذى أخاف صديقى فهاهو نصه :
دارفور بين النميرى والبشير
اليوم حافل بالأحداث التى تخص السودان , فمن ناحية توفى النميرى الرئيس الأسبق للسودان , فدعونا نطلب له الرحمة والمغفرة ونقرأ الفاتحة على روحه , كان للرجل كأى رئيس عربى محاسنه وسيئاته , ولكن دعونا نذكر محاسن موتانا ونطلب لهم الرحمة
الحدث الثانى هو فصل من فصول المسرحية الساخرةالخاصة بمحاولة القاء القبض على البشير , حيث أعلن اليوم المدعى العام بالمحكمة الدولية المستر/لويس رومينو لوكامبو ..بأن البشير هارب من وجه العدالة !!!
جدير بالذكر أن مسألة المطالبة باعتقال البشير تقوم على أساس مشكلة دارفور ....فما هى هذه المشكلة أصلا وماهى أبعادها ومتى بدأت ؟
كمدخل لتفهم هذه المشكلة لابد لنا من معرفة الموقع الجغرافى لدارفور وطبيعة التكوين السكانى والاجتماعى فيها
أما عن الموقع فهى تقع فى غرب السودان وتبدأ من بورام ومليط والفاشر وتمتد لتتلاقى مع الحدود التشادية
وهى منطقة رعوية مكشوفة يعمل سكانها على الرعى والزراعة الموسمية ( موسم الأمطار )
تستوطن فى هذه المنطقة عدة قبائل بعضها مازال محتفظا بالدم العربى والسلالات العربية ولم يتزاوج مع القبائل الأفريقية ..والبعض الآخر اختلط بالقبائل الأفريقية الزنجية بدرجات متفاوتة
ولاداعى لذكر أسماء القبائل لعدم اثارة الحساسيات
المهم هناك القبائل العربية تشتغل بالزراعة والرعى وتربية المواشى ..وتلك قبائل مسالمة وأسلحتها لاتخرج عن السيف والخنجر العمانى المعقوف
وهناك قبيلة أخرى تمتهن نفس المهن .. الا أنها غير مسالمة ويغلب عليها طابع السطو المسلح , وأسلحتها بنادق ورشاشات
من الطبيعى أن تدور النزاعات بين مختلف القبائل من حين لآخر بسبب المرعى والسطو على الحيوانات أو الاغتصاب.
وتلك أمور قديمة قدم السودان ومستمرة منذ عهد بعيد ,وكان العمدة يركب حماره ويذهب الى مكان النزاع ويستمع الى الطرفين دون أن ينزل عن حماره , وبعد ذلك يصدر حكمه ويرجع الى مقره..وكان حكم العمدة ملزما لجميع الأطراف وغير قابل للمناقشة ..بل ينفذ ويحترم بكل حذافيره وبلا تردد أو مماطلة.
ففى السودان كانت هناك الادارة الأهلية والتى هى السلطان والعمدة والرث والشرتاى...وكانت هذه الادارة تحظى باحترام كبيرمن الجميع وكانت تقوم بحسم كافة أنواع الخلافات والنزاعات بطرق سلمية ينصاع لها الجميع بكل احترام
اذن ..ماذا حدث ؟ وكيف تغيرت الأمور ووصلت الى ما وصلت اليه الآن ؟
كانت البداية فى عهد المرحوم النميرى حين ألغى السلطات المحلية وأعلن حظر الأحزاب وأعلن عن قيام الاتحاد الاشتراكى أسوة بمصر فى ذلك الوقت .. وصارت الادارة مركزية ..لكن يدها لاتمتد الى كافة مناطق السودان ومنها دارفور..ومع الغاء الادارة الأهلية لم يعد هناك ضوابط لاقرار العلاقات بين مختلف القبائل ولاحسم لنزاعاتها وخلافاتها ..وسادت حالة من الطغيان القبلى ..فصارت القبيلة الأقوى تغير على الأضعف فتغتصب نسائها وتسرق أرزاقها
مما دفع القبائل الأخرى الى اللجوء الى الادارة المركزية طالبة الدعم بالسلاح لصد هجمات المغيرين طالما أن الادارة المركزية يدها قصيرة لاتطال تللك المناطق ..وتم لهم ما أرادوا..وتكونت فرق
للدفاع فوق ظهور الخيل تسمى (الجنجاويد)
هنا لنا وقفة لنلقى نظرة على ظروف أخرى لها صلة بهذه المشكلة
ماهى ؟ ان هذه المنطقة دارفور بحكم تواجدها على الحدود بين تشاد والسودان فقد تداخلت الأنساب بالتزاوج ..ونشأ جيل ينتمى الى السودان من ناحية الأب أو الأم , وينتمى الى تشاد كذلك بنفس الطريقة ...منهم من يعيش بالسودان ومنهم من يعيش بتشاد ..من هذا الفريق الذى يعيش بتشاد كانت هناك فصائل المعارضة ضد السلطة الشرعية فى تشاد ,واتخذت هذه المعارضة طابعا مسلحا لمحاولة قلب نظام الحكم ..وكان من الطبيعى أن تشتبك معها قوات الحكومة ,وعندما تنتصر القوات الحكومية فانها تتابع فلول المعارضة المهزومة ..لكن فلول المعارضة المهزومة كانت تهرب الى دارفور
لوجود صلات النسب ..
ماذا يحدث الآن ؟ الذى يحدث أن الجنجاويد تجد مسلحين قادمين باتجاه أراضيها فتتصدى لهم ظنا منها أنهم قبائل مغيرة ,أو محاولات للسطو المسلح , ويدور الصراع وتصبح المعارضة بين فكى الكماشة
هنا برز /خليل ابراهيم ...و ...عبد الواحد نور ..حيث قاما بتدبير خطة للاطاحة عسكريا بالنظام الحاكم فى الخرطوم ..
وتحركت بعض القوات التابعة لهما مسلحة بعتاد حربى من المدرعات ..وراجمات الصواريخ ..ودخلت من تشاد الى السودان طريق دندرابة وفتاشة سيرا بداخل الوادى مموهة بأغصان الأشجار وأوراقها..هذا الطريق يؤدى الى أم درمان قلب العلصمة ومقر الاذاعة والتليفزيون ومجاورة للخرطوم حيث يتواجد القصر الجمهورى
فطنت الاستخبارات السودانية للأمر وأبلغت القيادة التى أوعزت اليها بتجاهل الأمر وضبط النفس حتى وصلت القوات الانقلابية
الى كوبرى أم درمان الترابى ..وهنا وقع الغزاة بين فكى الكماشة وتم فتح النار عليهم من أمام ومن خلف وأبيدوا جميعا الا من هرب منهم الى الحوارى حيث تم القبض عليهم ماعدا/خليل ابراهيم وعبد الواحد نور حيث التجأ كل منهما الى خلايا التمرد النائمة وتم تهريب خليل ابراهيم الى لندن فيما اختار عبد الواحد نور الهروب الى اسرائيل عن طريق لندن..وبدأ تدويل المشكلة وتدخل اسرائيل والاطراف الاستعمارية الأخرى ...حتى وصلت الأمور الى ماهى عليه الآن.
وانتبه البشير الى سبب المشكلة فأعاد نظام سلطة الادارة الأهلية (نظام السلطان والعمدة) وبذلك عاد الاعتبار الى مكانة العمدة والادارة الأهلية التى استطاعت ابرام اتفاقية سلام بين القبائل المتناحرة كما استطاعت استقطاب فصائل كثيرة من حملة السلاح
وبدأ الهدوء يعود الى دارفور
لكن هذا الهدوء لايعجب عناصر التدخل الخارجى التى تتسلل من حين لآخر محاولة ايقاظ الفتنة وتصعيد الأمور
وما الهدف الا السودان بكامله وثرواته ومعادنه
وليكن البشير هو كبش الفداء كما سبق وكان المرحوم صدام حسين
ولتكن النار لتحرق السودان شمالا وجنوبا وشرق وغربا دون تفرقة كما سبق وأحرقت العراق
فهل يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين؟
انتبهوا ياعرب











13 يونيو, 2009 10:36 م