محمود سـالم

ثقافية أدبية تهتم بالشعر والقصة القصيرة والرواية والمقال السياسى والنقد الأدبى

محنة

هل شعر أحدكم يوما بأنه ريشة فى مهب الريح؟

هل أحسست يوما بأنك وحيد فى قارب مهترئ وسط أمواج تتلاطم فى بحر هائج تحت المطر والعواصف فى ظلمة ليل بهيم وليس هناك سوى الرعد والبرق والأمواج وشاطئ لاتدركه الأبصار؟

هكذا كنت أنا فى الأيام الماضيات !!!!

اتحدت ضدى وتكأكأت على كل النوائب مرة واحدة وبلا سابق انذار

فعلى المستوى الاقتصادى تعرضت بين عشية وضحاها وبلا مقدمات أو سابق انذار لخسارة مالية جسيمة ...عدة عشرات من ألوف الدنانير !!!

نزف رصيدى المصرفى أو كاد وتعرضت لضائقة مالية لايعلم مداها سوى الله وحده

كنت أملك ثلاث سيارات : التويوتا والمرسيدس والنيسان باترول

سرقت التويوتا ولم تعد

تعطلت المرسيدس واستنزفت منى مبلغا ضخما (بفضل خطأ الميكانيكى البارع) وما زالت معطلة ..وتركتها واقفة مقررا عدم اصلاحها فى الوقت الحاضر...أما النيسان فقد تمردت وباعتنى فى الطريق بسبب محطة وقود قامت بخلط البنزين بالماء !!!!

صرت مضطرا لاستخدام التاكسيات

فى نفس الوقت سادت الورشة حالة من الكساد الفظيع وأصبحت أنا من كان يرفض استلام كل الأعمال لضيق الوقت .. مرت فترة زمنية طويلة لم يدخل فيها ورشتى جهاز واحد للتصليح .. وكأن الدنيا خلت من البشر ومن الأجهزة ..!!!

حاجة غريبة ... عين وصابتنى ولم تصل على النبى عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام ...

أصبحت حالتى الاقتصادية تقترب من الصفر....

أما على المستوى العائلى فلم تكن الأمور أفضل حالا

تعرضت ابنتى الصغيرة طالبة الصيدلة لأزمة نفسية .. فحين بدأت امتحانات الدور الأول كنت أسألها عن حالة الامتحانات وكانت تجيبنى بأن الأسئلة من خارج المنهج المقرر .. لم أكن أملك سوى أن أشجعها ..أطمأنها..أواسيها .. ولكن بلا فائدة .. فقد فاض بها الكيل وامتنعت عن حضور اليومين الأخيرين من الامتحان ..ولم يقف الأمر عند هذا الحد وانما أعلنت أنها قررت أن تترك كلية الصيدلة وتتحول الى الاعلام ..!!!

صعقنى قرارها..حاولت أن أثنيها عن عزمها بلا فائدة

حاولت أمها أن تقترح عليها كلية القانون ..دون جدوى

لم أشأ التدخل فى اختيار نوع دراستها قسرا وتركتها تختار ما تشاء.. وبقيت فى البيت..لم تعد لديها رغبة فى الذهاب الى الجامعة ..

يعتصر الألم قلبى وأنا أجد نفسى عاجزا عن اتخاذ قرار بسبب انشغالى فى رأب الصدع المالى الذى ألم بى..باعتبار أن هذا الأمر هو العمود الفقرى لحياة هذه الأسرة ومعيشتها

أما على المستوى الصحى فقد كان أمرا طبيعيا أن يرتفع معدل السكر والضغط , ولزداد نزيف شبكية العين , اضافة الى حالة القلب الذى أنكهكته السنون وساءت حالتى النفسية الى درجة لاتوصف قررت معها التوقف عن تعاطى أدوية السكر والضغط وبقيت أعانى فى صمت دون شكوى حتى تعرضت لثورة عارمة من زوجتى عندما اكتشفت أنى هجرت الأدوية ولعلها لم تلاحظ ذلك الا حين تبدل شكلى وبدا التعب واضحا على محياى

حين ذاك كانت الثورة العارمة واتهامها لى بأنى أساعد المرض ضد نفسى وبأننى بهذه الطريق أكون قد شرعت فى عملية انتحار وأعلنت أنها لن تتناول طعاما مالم أتناول أدويتى بانتظام وأمام عينيها

 ماذا أفعل ؟ الشكوى لغير الله مذلة ..ولست أقبل الذلة ..فلتكن مشيئة الله سبحانه وتعالى فهو الهادى

فى الدرك الأسفل معنويا .. قضيت الليل بلا نوم .. أقلب الأمور واستعرضها لعلى أجد متنفسا

حين اقتربت الساعة من الثالثة  قبيل الفجر.. نهضت من فراشى..

أعددت لنفسى كوبا من القهوة السوداء..حملته معى الى الشرفة..وجلست ..

أحتسى القهوة وأدخن ..وأحدق فى البحر فى جوف الليل وأضغى لصوت الأمواج .. وأشحذ فكرى لعلى أجد مخرجا

..وفجأة .. خطرت فى بالى فكرة كانت غائبة عنى وسط الجزع .. لماذا لايكون هذا ابتلاء من الله سبحانه واختبارا لقوة ايمانى ؟؟؟؟؟؟؟

سبحانك ربى .. جلت حكمتك ..أنا لاألومك فأنت لا تلام ..وأنت صاحب المال وصاحب الصحة وواهب راحة البال.. لكننى ياربى بشر ضعيف..

أنا لست بقوة أيوب عليه السلام ولست أملك صبرا يضاهى صبره أو ايمانه

ولست بقوة يوسف عليه السلام على احتمال المصائب ..أنا ياربى بشر ضعيف جزوع خطاء ..مهما أخلصت فى طاعتك فلن أصل حد الكمال..وليس لى جلد على الاحتمال .. ولا معين لى غيرك ولن يكشف الضر عنى غيرك ..اليك الجأ بعدما سدت فى وجهى كل الطرق وانقطع الرجاء الا منك فترفق بى ياربى وارحم شيخوختى وضعفى فوحقك أنت انى ضعيف الا بك وفقير الا بك وهالك مالم تدركنى برحمتك يا أرحم الراحمين

عند هذا الحد .. استعذت بالله من الشيطان الرجيم ونهضت فتوضأت وبدأت أصلى فى جوف الليل

تضرعت الى الله ما استطعت ..حتى فاض الدمع من عيناى .. آن وقت صلاة الفجر ..بعد الصلاة عدت أضرع الى الله فهو وحده من يكشف الغمة ويودع فى القلب الأمان

بدأ توترى النفسى يتراجع مع بداية الشروق وبدأت وأنا فى كنف المولى أستعيد الهدوء والاطمئنان

ويقيت أسبوعا على هذه الحال ..ثم ..

ثم لم تذهب صلاة القيام هدرا ولا ابتهالى هباء

وتذكرت حديثا دار بينى وبين صديق منذ أكثر من خمسة وعشرين عاما

تذكرت حديثه فى ذاك الوقت

هل تعرفون ماذا كان يقول؟

كان يحمد الله ويقول أنه يتمنى أن يصل الى الصفر , ولما سألته متعجبا قال أنه الآن تحت الصفر اقتصاديا لأنه مديون فاذا استطاع أن يسدد ديونه ويصبح دخله يوازى المنصرف فسيكون فعلا فى حالة الصفر بمعنى أنه لاديون ولا مدخرات

تذكرت ذاك الحديث وحمدت الله أكثر

وفعلا استجاب الله لدعواتى

بدأت أمورى تتعدل , بدأت أنسى آلام السيارة المسروقة , والمرسيدس المعطلة , ومبلغ الخسارة الضخم وعدنى المحامى بشأنه خيرا باذن الله

وأصلحت السيارة النيسان بنفسى .. وبدأت أكرس جهدى من جديد لعملى وبدأ التوفيق من الله ..

بدأت أسترد ثقتى بنفسى .. وأستقوى على الزمان بايمانى .. وبدأت أعيش برضا على حافة الصفر العليا وليست السفلى

ثم أوعزت الى زوجتى أن تصطحب الابنة الى الجامعة لترى ماذا يمكن فعله .. هل تعرفون ما حدث؟ تحدثت زوجتى الى مدير الجامعة الذى طلب من موظفيه الاطلاع على بيانات ونتائج البنت ..وبعدها قال بكل صرامة

لا لن نجيبكم الى طلبكم هذا ولن نسمح لها بالتحويل.. حرام انها الأولى رغم كل ما حدث وصاحبة المجموع الأكبر فى دفعتها .. ثم تحدث الى البنت وأقنعها بالعدول عن التحويل

واقتنعت الصغيرة .. وعادت بحمد الله لتمارس حياتها اليومية المعتادة

ما أجمل اللجوء الى الله

فيه كشف للهموم ..وشفاء للمكلوم ..فيه سلام النفس وراحة السريرة .. لذلك أكتب لكم عن محنتى التى مررت بها لأوصيكم بصلاة القيام ..تلك هديتى لكم ..أن أوصيكم بالصلاة فى جوف الليل والتضرع الى الله فوالله ان فائدتها لعظيمة

تضرعوا الى الله فلن ينجيكم من الكرب غيره  وهو الخبير بعباده اللطيف بهم السميع المجيب القريب

منه السلام واليه السلام والحمد له فى السراء والضراء

قد كان ذلك هو سبب انقطاعى عنكم وشكرا لله على نعمته وشكرا لكل من افتقدنى وقلق لغيابى وأخص بالذكر ابنتى الغالية سولاف من المغرب وابنتى الغالية يولا من سورياوأخى الفاضل محمود مشالى من الاسكندرية بمصر

ولكل من سأل عنى ولم أطلع على رسالته بعد

لكم جميعا أدين بالاعتذار لهذا الغياب المفاجئ

ولكم جميعا كل حبى وشكرى وامتنانى

ولكم جميعا كتبت تجربتى لتتذكروها اذا ما وسوس الشيطان أمرا ..الحمد لله الذى أعطانا مفاتيحا تفتح لنا أبواب السلام مع النفس والخروج من الكرب ..تلك هى الصلاة فى جوف الليل

ما أروعها وما أنفعها وصدق المولى العظيم اذ قال انى سميع قريب مجيب أجيب دعوة الداعى اذا دعانى  

لكم يا أحبائى تحياتى وشكرى

محمود سالم

 


صورة



<<الصفحة الرئيسية