محمود سـالم

ثقافية أدبية تهتم بالشعر والقصة القصيرة والرواية والمقال السياسى والنقد الأدبى

تابع مقال ملك رغم أنفه

قد أكون منبهرا بشخصيته , نعم هذا صحيح , لكننى لم يسبق لى أن التقيته شخصيا سوى مرتين بطريق الصدفة حيث كان يوم عطلة وكنت وزوجتى وطفاتى الصغيرة على شاطئ بحيرة " تاورغا " نلهو بصيد السمك وتصادف أن كان مارا فى رحلة تفقدية وكان يقود السيارة الكروزر , لم انتبه الا وهو ينظر الينا من نافذة سيارته ويبتسم , فناديته مرحبا " تفضل نشوى لك سمك " ابتسم الرجل وشكرنى ومضى فى سبيله ( ربما كان توقفه ونظرته الى تحمل معنى " يابختك .. نفسى أتصرف بعفوية وحرية مثلك " ) , المرة الثانية كانت على الطريق من بنغازى الى مصراته وكان المكان صحراويا بعد الخروج من حدود مدينة بن جواد كنا تقريبا فى عام 1994 وكانت سيارتى ستروين 88 وحدث ان تلف احد اطارات السيارة ولسوء الحظ اكتشفت تلف الاطار الاحتياطى , ولكونى على طريق صحراوى ومعى أسة وأطفال فقد قررت أن أستثمر مميزات السيارة وأقودها بثلاث اطارات فقط , وقد كان ذلك , وكانت الصدفة مروره فى الاتجاه المعاكس , لم يكن يقود السيارة فى هذه المرة ولكن السيارة أبطأت سيرها وظل هو ملتفتا الى سيارتى فيما زدت أنا من سرعتى وكأنما لسان حاله كان يقول هل ترغب فى المساعدة , لكننى كنت أفر ابتعادا عنه لخجلى من رؤيته لى أقود سيارة بهذه الطريقة , هذه حدود معرفتى بالرجل , لكننى كونت عنه فكرة جيدة من خلال أطروحاته وأفكاره واكتشافى أنه وجه الثورة النظيف أما المفسدون فآخرون وقد بدأ الانتباه اليهم والحمد لله وبدأت الأمور تسير على الدرب الصحيح

ملك رغم أنفه

ليبيا فى هذه الأيام تلبس أثواب العرس وتعيش أعيادها
فهى بداية أعياد ثورة الفاتح التى قادها العقيد معمر القذافى , وثانيا استعادة قطعة من تراثها التاريخى متمثلة فى منحوتة " حورية شحات" التى استولت عليها ايطاليا الفاشية ابان عصر الاحتلال الايطالى
والتى ظلت فى متاحف ايطاليا حتى وقت صباح أمس
-ونغتنم الفرصة بالدعاء للعراق أن يسترد كنوزه التاريخية التى نهبت ابان العدوان الأمريكى - أما ثالثا فذلك يشكل سابقة تاريخية لم تحدث من قبل وأعنى بها حضور السيد/ رئيس وزراء ايطاليا ليقدم اعتذارا مكتوبا الى ليبيا عن فترة الاحتلال ودفع تعويضات مادية عن آثار تلك الفترة تتمثل فى خمسة مليارات من العملة الأوربية وأعمال عينية تتمثل فى رصف الطريق البرى الواصل من حدود مصر الى حدود تونس , كذلك اقامة بعض المستشفيات على أعلى مستوى , واعادة علاقات الصداقة الطبيعية والعلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين ( وهذه سابقة طالما انتظرت الجزائر ميلادها لتطالب فرنسا بالاعتذار والتعويض ) وهى أيضا نقطة مهمة فى العلاقات الدولية أصبح بمقتضاها الحصول على الاعتذار والتعويض المادى لأية دولة من مستعمريها السابقين.
نقطة أخيرة أود التنويه بها : هذا معمر القذافى - رغم كل ما يوجه اليه من اتهامات وانتقادات- هذا الرجل الذى أدار ظهره للسلطة والسلطان وتنحى عن الحكم بملء ارادته وابتعد محاولا أن يكون مواطنا يتمتع بحق المواطنة , هاهو اليوم يسعى اليه ليس فقط لقب ملك , وانما لقب ملك ملوك وامراء وسلاطين وعمد وشيوخ افريقيا , فمن ذا الذى يعتقد بأنه ديكتاتور ليبيا ؟
أتعرفون من هو ديكتاتور ليبيا ؟ انهم المفسدون فى الأرض , بعض من عامة الشعب نصبهم الشعب أمناء على تأدية المهام الحكومية , ولقبهم بالأمناء ( أمين الاقتصاد , أمين العدل , أمين التجارة .. وهكذا .. أى انهم أشخاص أمناء يؤدون عمل الوزراء فى الحكومات التقليدية ) هؤلاء ( اللاأمناء) عاثوا فى الأرض فسادا ورعبا ومجونا فشوهوا وجه الثورة وبالطبع نسب كل ذلك الى الرجل الذى كتب يوما فى كتابه ( القرية القرية الأرض الأرض ) " فى ذات يوم سأكتب لكم عنه بالتفصيل حيث انى أعددت دراسة تحليلية ونقدية لهذا الكتاب , وبالمناسبة فان معمر القذافى ينتمى الى طبقة المفكرين والأدباء , لكن تلك قصة أخرى ,نعود فنقول أن الرجل كتب ذات يوم يقول :( عموما أنا جنيت على نفسى بدخولى المدينة طواعية ولا وقت لذكر السبب المهم كان ظرف تحد فحسب .. اذن أرجوكم أن تتركونى  أرعى شياهى التى تركتها  فى الوادى تحت رعاية أمى..اتركونى وهمومى...لماذا تحرموننى من الراحة... أنا بشر مثلكم "ص47 تحت عنوان الفرار الى جهنم" ), ما رأيكم اليوم بالرجل الذى هرب من لقب الرئيس فطارده حتى أمسك به لقب "ملك ملوك أفريقيا" اسما رسميا عمده به ملوك افريقيا وتعهدوا بالعمل تحت قيادته والائتمار بأمره وألبسوه التاج وأعطوه الصولجان فيما كان يلبس جلبابا مطبوعا على صدره صورة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر, وربما كان لها أكثر من معنى , لربما كان يقصد أن يقول فى صمت , أنا عربى وما زلت متمسكا بأمتى العربية , أو ربما يريد القول "انى مازلت على العهد باق " عموما أيا كانت الرسالة التى يريد تبليغها فى صمت - ربما كان أبلغ من الحديث- فهاهو القذافى .. هاهو أمل الأمة العربية القادم ..هاهووريث عبد الناصر والمعتصم وصلاح الدين , قد يرى أحدكم أنى أمتدح الرجل , ولكن والله لست بمادح ولكنه تقرير واقع قد أكون منبهرا بشخصيته نعم (يتبع)

حمود درويش بعيون تونسية

الى كل الأصدقاء والجيران
انتبهوا جيدا الى هذا الرابط :
انه رابط مدونة استاذتونسى فى الأدب , ستعرفون عنه الكثير لدى اطلاعكم على مدونته فهى تستحق التقدير والاطلاع
دعوتى موجهة بصفة خاصة الى الابنة الغالية hurts من السعودية والسيدة صفاء من مصر , والدكتور محسن الصفار من العراق.
فى كل مرة أتلقى فيها تعليقا على موضوعا منشورا فى مدونتى أجد نفسى راكضا الى مدونة صاحب التعليق للاطلاع عليها والتعرف على شخصيته قبل أن أقرأ تعليقه
بعد ذلك أعود لقراءة التعليق وأنا أعرف مع من أتعامل.
منذ يومين تلقيت تعليقا من الأستاذ/ لطفى الشابى من نابل بتونس , كعادتى هرعت لأقرأ سجله ثم بدأت عيناى تنزلق الى مقالاته حتى أوقفتها بكل صعوبة لأكتب اليه مستأذنا منه فى نقل احدى روائعه الى مدونتى "ومن يريد الاستزاده عليه بمراجعة الرابط المذكور أعلاه , وذلك مقصور فقط على صيادى الكنوز الفكرية ومن يعشقون الأدب الدسم " المهم بعد حصولى على موافقته ها أنذا أنقل اليكم احدى روائعه :

حديث مع درويش ( 2 ): عن الشّعـر و الأرض و الأمنيات ...

(تابع)
  
  س : ارتبط شعرك بالأرض ارتباطا بليغا أدرك في صدقه و إخلاصه ووفائه لها حدود التّماهي و الانصهار ... كيف نجحت في الفكاك من رتابة الموضوع و ثقل التّعاود و التّكرار التي يأباها الشّعر و ينفرها ؟..
 
ج : "... يغنّي المغنّي / و يستجوبونه : لماذا تغنّي ؟... / يردّ عليهم : لأنّي أغنّي .. /و قد فتّشوا صدره فلم يجدوا غير قلبه / و قد فتّشوا قلبه فلم يجدوا غير شعبه / وقد فتّشوا صوته فلم يجدوا غير حزنه ..( أعراس 1977 )
  الأرض قضيّتي و أصل وجودي ... و الشّعر نبضي و دليل ذاك الوجود ، لذلك أماهي بينهما على نحو يعمّق لديّ الوعي بهذا التّصادي العجيب عماد القصيد و أوتاده الرّاسخة ...
 " جدّتنا الأرض ، أشجارها شعرنا و زينتنا زهرها ...
    هذه الأرض لا موت فيها فلا
    تغيّر هشاشة تكوينها ، لا تكسّر مرايا بساتينها
   و لا تجفل الأرض ، أنهارنا خصرها
   و أحفادها نحن ، أنتم و نحن ، فلا تقتلوها ...
   سنذهب عمّا قليل ، خذوا دمنا 
   و اتركوها
   كما هي  
   أجمل ما كتب اللّه فوق المياه
   له ... و لنا .
   ...هذه الأرض جدّتنا
   مقدّسة كلّها .. حجرا حجرا ، هذه الأرض كوخ الآلهة سكنت معنا
   نجمة نجمة و أضاءت لنا
   ليالي الصّلاة ... مشينا حفاة لنلبس روح الحصى و سرنا
  عراة لتلبسنا الرّوح ، روح الهواء ، نساء
  يعدن إلينا هبات الطّبيعة ..
  تاريخها كان تاريخنا .
  ... خذوا أرض أمّي بالسّيف ، لكنّني لن أوقّع باسمي معاهدة
  الصّلح بين القتيل و قاتله ، لن أوقّع باسمي
  على بيع شبر من الشّوك حول حقول الذّرة و أعرف أنّي أودّع آخر
  شمس ، و ألتفّ باسمي
  و أسقط في النّهر ، أعرف أنّي أعود إلى قلب
   أمّي لتدخل يا سيّد البيض
  عصرك
  فارفع على جثّتي تماثيل حريّة لا تردّ التّحيّة ، و احفر صليب
  الحديد على ظلّي الحجريّ
  سأصعد عمّا قريب أعالي النّشيد ... ( أحد عشر كوكبا 1992 )
 
س : أيّ الأمنيات الجميلة خانت وعدها و أخلفت ميعادها معك ؟
 
ج : بل قل : و هل هناك أمنية واحدة أوفت بوعدها و جاءت في موعدها العادل و لحظتها المناسبة ؟...
  " .. نحبّ الحياة غدا .. / عندما يصل الغد سنحبّ الحياة  / كما هي عادية ماكرة رمادية أو ملوّنة ... لا قيامة فيها ولا آخرة  / و إن كان لا بدّ من فرح / فليكن ../ خفيفا على القلب و الخاصرة ./ فلا يلدغ المؤمن المتمرّن من .. فرح مرّتين ..." 
 
س : و أيّ الأمنيات كانت في خاطرك أشدّ اشتهاء لأنّها كانت أكثر استحالة؟
 
ج : " ليت الفتى حجــر ... يل ليتني حجـر ... " ( حصار لمدائح البحر )
 
    أو " أسألكم أن تكونوا بطيئين ...
          أن تقتلوني رويدا رويدا لأكتب شعــرا ..." ( ورد أقلّ )
 
س : أجمل الأمنيات المتحقّقة في الرّؤيا أو في اليقظة ؟
 
ج : " أمشي على حافة البئر : لي قمران 
       واحد في الأعالي 
       و آخر في الماء يسبح 
       لي قمران ...
       ... لا أريد من هذه الأرض أكثر من هذه الأرض :   رائحةالهال        و القشّ بين أبي و الحصان 
     في يدي غيمة جرحتني و لكنّني 
     لا أريد من الشّمس أكثر 
     من حبّة البرتقال و أكثر من 
     ذهب سال من كلمات الأذان ... " ( لماذا تركت الحصان وحيدا  )
 
                                                                              ( يتبع )
 

درويش

مارأيكم ؟ لقد وجدت نفسى ضئيلا الى جانب هذا الجبل , وان اردتم المزيد فانى قد دللتكم على النبع
شكرا لكم . محمود سالم

وأخرى لمحمود درويش من درنة الفضائية

من بنغازى الى العراق الى درنة , مازال الفراق المر يعذب قلوب الأدباء فى ليبيا , هذه قصيدة درناوية مهداة الى روح الراحل محمود درويش :

وطني ليس حقيبة

مهداة إلى روح الشاعر الكبير محمود درويش

 أنا أعلمُ جيداً يا سيدي

أن القصيدَ و نُظمِه

إن مسَّ طرفكَ

أو تطاولَ

أو أراد تقرباً

من ذرِّ شِعركَ

لن يُضيفَ جديداً

لكنهُ...

ألَمُ الفراقِ و لَوعتي

لقصيدةٍ مكلومةٍ...

لسلاسلِ الذهبِ

التي .. نَبضَت بأطلالِ القبورِ

وَريدا..

......

محمود.. موتُك قد أذاقَ الموتَ

 عَلقمَ مَوتِه..

و أذاقَنا مُرَّ الفُراقِ لقامةٍ

أنَّى يجودُ بِها تاريخُنا المَؤودَ

......

محمود .. أنتَ علامةٌ

بل أنتَ بانِي في رُكامِ هَزائمٍ

أركانَ (جِداريةٍ)...

و نُقُوشَ آمالٍ ... و مرثَى أمَّةٍ

عشِقَت ...و شَبّت ثم ماتَت

تحت أقدامِ الذين خَبِرتَهم

و نشبتَ شِعركَ في رمادِ وجُوهِهم...

.....

محمود ... أنتَ هزيمةُ الموتِ

الذي يسطو علَى الأفواهِ

يعلنُ كلّ حينٍ

في ( إنتشاءٍ)! شِعارهُ المحْمُومِ ..

صمتاً ثم صمتاً ثم صمتاً ؟

ليُجيبَ (إبْراهيمُ)* ...

(لستُ بمَيتٍ ... إنما الصمْتُ

شيمةُ للجمَادِ..)

....

فأمطِر قَصَائِدَك العَنيدة لم تمت ..

رغم الغياب

فإنَّنَا... نقْتَاتُ مِمَّا قُلت

نَعتصِرُ الظَلامَ.. و نَحلِبُ

الفَجرَ العَصيّ

 و نبحثُ عَن خلاص ....

نبحث عن خلاص...

......
 

ماذا يحدث فى مصر؟

بكل عين دامعة , بكل الأسى والأسف أنقل اليكم الخبر التالى المنشور على صدر صحيفة فيلاديفيا الفضائية التى تصدر عن مدينة درنة الليبية ولن أعلق لأنى أكاد لا أصدق , والتعليق لكم :

اتهام الحكومة المصرية ببيع لحوم الحمير

وجه نائب فى مجلس الشعب المصرى (البرلمان) انتقادات حادة إلى الحكومة، بعد تصدير كميات هائلة من جلود الحمير الى الصين، من دون لحومها، مشككاً فى أن هذه اللحوم "تم بيعها الى الشعب المصري".

ففي بيان عاجل تقدّم به إلى البرلمان المصري، مرفقاً بمستندات رسمية من وزارة الزراعة، الثلاثاء 12-8-2008، قال النائب المعارض حمدى حسن إن وزارة الزراعة وافقت مؤخرا على تصدير 7300 قطعة جلد حمار للصين خلال 3 شهور، تلاها تصدير 4600 قطعة اخرى في أقل من شهر، "كما تم تصدير 2700 قطعة يوم 21-1- 2008 و2300 قطعة في 6-3-2008، وبعدها بأقل من شهر تم تصدير نفس الكمية"، بحسب ما يشير حسن.

واعتبر النائب انه "من الطبيعى تفهم طبيعة الشعب الصيني، الذي يأكل لحوم الحمير والقطط والكلاب، كما من الطبيعي تفهم ان الصين تنظم حاليا دورة الالعاب الأولمبية، وقد تكون في حاجة ماسة لهذه اللحوم، كما قد تكون فى حاجة ايضا الى جلودها من أجل التصنيع، أما ما لا يمكن فهمه، فهو أن تستورد الصين هذا الكم الهائل من جلود الحمير دون لحومها"، متسائلا "أين ذهبت هذه اللحوم؟".

واعتبر النائب المعارض، في حديثه لـ "العربية.نت"، أن هذه الافعال "تعتبر جريمة جديدة فى حق الشعب المصري، من قبل حكومة الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم، خاصة وأنه فى نفس فترات تصدير جلود الحمير الى الصين، انتشرت ظاهرة بيع لحوم الحمير فى محلات الجزارة دون ان يعرف المواطنون شيئا عن طبيعتها".

يذكر أنه عقب آخر عملية تصدير جلود الحمير الى الصين، تم الحكم على 3 جزارين بتهمة بيع لحوم الحمير بالحبس وغرامة 30 الف جنية، حيث اعترفوا ببيعهم لحوم الحمير والحيوانات النافقة في العاصمة المصرية وضواحيها، مشيرين إلى أن تعاملاتهم امتدت إلى المطاعم الشهيرة، والفنادق الكبرى، ما مكّنهم من تحقيق أرباح طائلة.

وقال المتهمون، خلال مثولهم أمام المحكمة في ابريل الماضي، إن دافعهم كان "تأدية خدمة كبيرة للفقراء والمحرومين" بتذوق اللحوم، ببيع الكيلو الواحد بـ5 جنيهات فقط (أقل من دولار واحد)، مشيرين إلى أنهم كانوا يشعرون بـ"الرضا وراحة الضمير" عندما يرون السعادة على وجوه زبائنهم الفقراء.

14/8/2008
     

محمود درويش بعيون عراقية

مازلنا فى مطالعة لجريدة جليانا لننقل منها اليكم القصيدة التالية للشاعر العراقى / عذاب الركابى بعنوان الى محمود درويش

. لا أحدَ يُشبهُك َ ..،

ولا تُشبهُ أحدا ًفي العشق ِ ،

وفي الشّعر  ِ ،

ولا في الموت ِ !!

. هذا الصّباح ُ حزينٌ ..ثقيلْ

بغير ِ رائحة ِ قهوتِك َ ،

وخشخشة ِ جريدتِك َ ،

وندى شباكِك َ الفستقيّ !!

. ليسَ في إمكاننا  إخفاء َ حُبّك َ ،

يا قمرَ المنفى ،

ولا في إمكانِكَ تأجيلَ الرحيلْ !!

. أهوَ (( وزنٌ )) جديدٌ لهمّك َ العاصف ِ !؟

أأنتَ الذي صُغت َ (( قافيتهُ)) الصّعبة َ !؟

أمْ أنّها (( تفعيلة ُ)) وقتِنا  الانتهازيّ !؟

أمْ هوَ آخرُ هبات ِ اللهْ

لكَ ، يا ضميرَ الأرض ِ ،

ويا طفلَ  الحياهْ !؟

. هذي فلسطينُ .. مُلهمتُكَ الإلهية ُ

نصفُك َ الآخرُ ، النابضُ  بزلزال ِ التشكّل ِ والتواجد ِ ،

 

هذا زمنُك ُ المُبدّد ُ في هواء ِ العواصم ِ ،

من زمنِها المهدور ِ ،

بالاعتراف ِ المُزخرف ِ ،

والحوار ِ المُبرمج ِ ، والموت ِ المُبيّت ِ ،

والانقسامات ِ ، والهزائمْ  ،

وهذا اسمُك َ الحركيّ ،

هوَ بعض ِ ظلّها الليلكي ّ

- قرآن ُ أمّك َ المُرتّل ُ بصوت ِ الزمانْ ،

عنوانُكَ الدائم ُ ..في اللامكان ْ !!

. نعرفُ  .. !!

أنّك َ لمْ تعُدْ تحتملُ عصرَنا المُهادن َ ،

ولا أسلوبَ عيشنا  الفقيرْ ،

فكتبت َ نصّك َ الجارح َ الأخيرْ !!

. هكذا فجأة ً..،

تحجز ُ تذكرة َ البُعد ِ ،

تضاعف ُ حزننَا الأزليّ ،

وتبدّل ُ دفء َ التحيات ِ ،

وخمر َ المواعيد ِ ، بثلج ِ الغيابْ !!

. كنت َ تراهِن ُ على العشق ِ ،

والشّعر ِ ، وروعة ِ الأوطانْ

فهلْ ربحت َ الرِهانْ ! ؟

 

. أعظم ُ الحُبّ .. في اللاحُبْ ،

وأجملُ اللقاء ِ .. في اللالقاءْ ،

وأبلغ ُ الكلام ِ ..بلا كلامْ ،

وبينهمُ  لغة ٌ كونيّة ٌ

تطيلُ أبجديتَها عواصف ُ القصيدةْ !!

. تنتظرنا  القصيدة ُ في اللامكانْ ،

ويعيش ُ الشاعرُ – العاشق ُ ، في اللازمانْ !!

. حضورُك َ .. ،

قرنفلة ُ وقتنا الشعريّ ،

وغيابُك َ ..  حضورنا الباهت ُ

في دفتر ِ الأيّام ِ العسيرةْ !!

. مُدهش ٌ .. ،

في لونِك َ الشعريّ ،

في لغة ِ العشق ِ ، وفي بلاغة ِ الانتماءْ !!

فكيفَ نقولُ : وداعا ً !!

والشعراءْ ،

تكتَبُ القصائد ُ عندهُم

بأدمع ِ اللقاءْ !!

                                              عذاب الركابي

شاعر وكاتب عراقي

محمود درويش بعيون ليبية

محمود درويش ضمير فلسطين وصوتها , كيف يراه
أدباء ليبيا ؟ للاجابة على هذا السؤال اسمحوا لى بأن
أنقل لحضراتكم القصيدة التالية والمنشورة على صدر جريدة جليانا الفضائية , وربما لو ساعدنى الوقت ربما أضفت المزيد والقصيدة للأستاذ/كريم معتوق بعنوان : جدار لجدارية محمود درويش :
 
كتبَ الوترْ .. عزفَ الوترْ
سكتَ الوترْ
هذا الفتى القرشيُّ يأكلُ من كتابتهِ السهرْ
هذا الفتى القرشيُّ يرعى
من مواسمهِ المطرْ
( قد مات ) ....
ويحك يا فمي !!
أتقول ماتَ بلا حذرْ
أتقول غادرنا صباحاً
دون أن تعطي الصباحَ  ظلال حزنٍ أو كدرْ
أتقول مملكة العيون مساؤه
ورياحهُ عبرتْ
وما قلتَ انحنى للريحِ
ما قلتَ انتصرْ
لِـمَ لا تقول بأنه آخى ترابَ الأرضِ
أو قلْ أنه
قد غابَ كي يأتي لنا يوما بأوراقِ القمرْ
لِـمَ لا ترققُ من حديثك مرةً
قل عنه لملمَ حزمةً من نور
كي يهدي السراةَ إلى دهاليزِ السحرْ
قلْ عنه لملمَ آخر الأوراقِ
كي يملي قصيدتهُ ويكتبَ
أو لنكتبَ عن حكايتهِ إلى كل البشرْ
قلْ ما تشاء سوى الذي قد قلتَ ماتَ ..
وغابَ عنا ..
وهْوَ لما غابتْ الدنيا جميعاً قد حضرْ
قلْ ما تشاء سوى الوداعِ ونارهِ
فهو الذي بالحبِّ علمنا اللقاءَ ودفئهُ
وهو الذي صافى ووافى وابتكرْ
صِفْ عُنفَ رقَـتهُ
وُقلْ ما كنتَ تدري يا فمي
كيفَ استماتَ على خبرْ
يأتي من الجولان و الأقصى
ومن بيروت شاهدةُ الأثرْ
وبأنه يوما تمادى أن يشيلَ الظلَّ
لامسَ ظلهُ يوماً بعنفٍ فانكسرْ
قُلْ مرةً
قد همَّ يعبرُ زهرةً في الحقلِ تشبههُ
وكانتْ زهرةُ البستانِ في لون المنى
لما رآها قد عثرْ
هي قصةٌ للريحِ في فمهِ
وقصةُ جارهِ بعدوهِ حين انحنى للريحِ كي تمضي 
تنحنحَ وانتحرْ
ما كان ندَّا أو أخا ندٍ لصوتِ الريحِ مُذْ جاءتْ
تناسى هامةً  في الأفقِ ترصدُ ما ستأخذه الرياحُ من الشجرْ
ومضى يسبِّحُ باسم من زرعوا المماتَ
ويلعنِ الموتى ويجهرُ في عداوتهِ
ويؤمنُ بالقضاءِ وبالقدرْ
قلْ عنه ليس كجارهِ
إن شئتَ صفْ أشياءه الأخرى 
فلم يتركْ حصاناً واقفاً لم ينتظرْ
لا ينتمي للزعتر البري إلا عاشقٌ ليدين من حجرٍ أحبَّ
(لأحمد المنسيِّ بين فراشتينِ)
لأحمد المزروع حباً بالحجرْ
حاصرْ حصاركْ بالحجرْ
قمْ يا فمي ولتختصرْ جدلاً
ولا تسهبْ لنا كي لا نرى صدرَ الأحبةِ ينفطرْ
*****   
كان الفتى القرشيُّ يعرفُ عن مساوئنا
ويكتبُ عن محاسننا
ويربكه جوادُ الحرفِ ، يلجمهُ فيصهلُ
ثم يلجمهُ ليبتدعَ القصيدَ ويختصرْ
هذا الفتى المضريُّ جاورنا سنينَ القحطِ
واعتادتْ حرائقنا على ما يشتهيهِ من السيرْ
هذا الفتى المحمودُ درويشٌ بطيبتهِ
لذا أسماه والده بمحمود العذاب المنتظرْ
بالحبِّ صورنا على أعصابِ دفترهِ
وحاذرَ أن يبددنا بمسرحهِ الكدرْ
قد خفّ من عشقٍ وخفّ من الهوى
وأذابَ جمراً بين أضلعهِ وكابرَ واستترْ
كي لا يمرَّ على مواسمنا الشررْ
هذا الفتى القرشيُّ يمضغهُ الضجرْ
وتنام فوقَ جفونهِ
زُمرٌ من الأحزان تتبعها زُمرْ
***** 
أنا لا أرى نخلاً بسيرتهِ
أرى الزيتونَ منتبهاً لغربتهِ
وألمحُ فرحةً كبرى برائحةِ الحفرْ
قبرٌ يضمكَ بعد أن
ضمتكَ كلُّ قلوبنا زمناً
وما زلنا بشعركَ نأتزرْ
(لا تعتذرْ عما فعلتَ)
صنعتَ تاريخاً نحبكَ باسمهِ
وزرعتنا صوراً تباغتها صورْ
(والعابرون) سيفرحون سيجلسون القرفصاءَ
يقول آخرهمْ من القوقاز شاعرهم مضى
لن يدركوا الكلماتِ باقيةً ويمضي العابرون مع الكلام بلا أثر ْ
لا غيمةً بالشعر بعدكَ سوف نرقبها
فنمْ يا سيدي ما شئتَ دعْ عملَ السفينةِ
للذي ربحَ الرهانَ وما أتاك ليعتذرْ
وأكتبْ عن اللا وقتِ عن لغةِ الحديثِ
رأيت دارجةً أم الفصحى هناك ؟
فكلُّ أسئلةِ الوجودِ
وكلُّ أسئلةِ الغيابِ على غيابكَ تزدهرْ
(لا تعتذر عما فعلت) فإننا
من بعد ما لوحتَ في شفةِ الرحيلِ
سننكسرْ
 
كريم معتوق

 

أرجو أن يكون التوفيق حليفى فى نقل نبض المثقف الليبى اليكم وعذرا على تقصيرى فى الأيام الحالية
لأنها مشاغل كثيرة فوق العادة  شكرا لكم. محمود سالم  

صيدة للراحل محمود درويش

بناء على طلب الابنة الفاضلة HURTS هذه احدى قصائد صوت فلسطين محمود درويش ومعذرة على التأخير فأنا مشغول جدا هذه الأيام:
الكمنجات تبكى مع الغجر الذاهبين الى الأندلس
الكمنجات تبكى على العرب الخارجين من الأندلس
الكمنجات تبكى على زمن ضائع لا يعود
الكمنجات تبكى على وطن ضائع قد يعود
الكمنجات تحرق غابات ذاك الظلام البعيد البعيد
الكمنجات تضنى الهدى وتشم دمى فى الوريد
الكمنجات تبكى مع الغجر الذاهبين الى الأندلس
الكمنجات تبكى على العرب الخارجين من الأندلس
الكمنجات خيل على وتر من سراب وماء يئن
الكمنجات حقل من الليلة المتوحشة ينأى ويقرب
الكمنجات وحش يعذبه ظفر امرأة مسه وارتعب
الكمنجات جيش يعمر مقبرة من رخام ونهاوند
الكمنجات فوضى قلوب تجننها الريح فى قدم الراقصات
الكمنجات أسراب طير تفر من الراية الناقصة
الكمنجات شكوى الحرير المجعد فى ليلة العاشقة
الكمنجات صوت النبيذ البعيد على رغبة سابقة
الكمنجات تتبعنى هاهنا وهناك لتثأر منى
الكمنجات تبحث عنى لتقتلنى
الكمنجات تبكى مع الغجر الذاهبين الى الأندلس
الكمنجات تبكى على العرب الخارجين من الأندلس
----- محمود درويش
أذيعت بصوته من اذاعة الشرق فى اليوم العالمى للشعر , لن أعلق عليها فهى لاتحتاج الى تعليق
محمود سالم

مصر بعيون الصحافة الليبية

عبد الناصر الذي‮ ‬كاد أن‮ ‬يكون‮ ...‬
2008-08-21
smoke
جمال عبد الناصر
 
بدءاً،‮ ‬أقرّ‮ ‬بعدم مقدرتي‮ ‬على أن أكون محايدا تماما في‮ ‬استعراض ظاهرة‮ "‬الزعامة‮" ‬عند التطرق لجمال عبد الناصر،‮ ‬فأنا من الجيل الذي‮ ‬انفتح على الوعي‮ ‬وعبد الناصر كان ملزمة في‮ ‬أسرتي‮ ‬ومدينتي‮ ‬بنغازي‮ ‬بل وليبيا كلها وبلاد العرب،‮ ‬ولن‮ ‬يمنعني‮ ‬ذلك من المحاولة‮..
‬نحن بني‮ ‬يعرب،‮ ‬تحكمنا ثقافيا ثلاثة اعتبارات‮: ‬-1‮ ‬القلب،‮ ‬عندما‮ ‬يكون موقفنا بدواعي‮ ‬العاطفة وما‮ ‬يحب الإنسان أن تكون عليه الأمور‮ (‬أية أمور‮! ‬كانت‮) ‬وما قد‮ ‬ينجذب إليه هذا الإنسان إلى شيء ما بكونه معبرا عن مكنونه‮.. ‬ -2 العقل،‮ ‬ولكلٍ؛ عقل أيا كان،‮ ‬وهو ما قد‮ ‬يراه إنسان بحكم تحكيم العقل وإعمال الفكر،‮ ‬والكل مرتبط أيما ارتباط بمقدار وعي‮ "‬الإنسان‮" ‬في‮ ‬برهته،‮ ‬وتتفاوت رجاحة‮ "‬الموقف‮" ‬المتخذ اعتمادا على‮ "‬صحة‮" ‬أو وجاهة بيانات وعي‮ ‬صاحب الموقف،‮ ‬-3‮ ‬الروح،‮ ‬وأقصد بها هنا ما قد‮ ‬يكون الجمع بين الاثنين أو استقرار في‮ ‬منهج وعقيدة‮ ‬يعتقد بها الإنسان ورثها صغيرا من بيئته أو بفعل اجتهاد تحصيل ووقف عندها راضيا مستقرا،‮ ‬وهي‮ ‬كما‮ ‬يقول رضي‮ ‬الله عنه الإمام أبو حامد الغزالي‮ ‬ما معناه‮ "‬يفتح الله صدرك ويقذف فيه الإيمان‮" ‬أو كما‮ ‬يشابه ما‮ ‬يقوله بعض من السلف‮: ‬التسليم البسيط والقناعة به مع الإشارة على سبيل التدليل بـ‮ "‬إيمان العجائز‮" ... ‬قبل الولوج على زعامة جمال عبد الناصر وممارسته لها،‮ ‬لا مفر من استعراض حال مصر قليلا على مستوى التاريخ والسياسة والاجتماع ولو باقتضاب حتى نستطيع عرض‮ ‬موضوعنا هذا الخميس،‮ ‬مصر،‮ ‬شأنها شأن بلدان المسلمين والعرب،‮ ‬تحت الخلافة العثمانية التي‮ ‬تولدت عند أفول نجم بني‮ ‬العباس في‮ ‬بغداد،‮ ‬فحلـّت محلها،‮ ‬فئة‮ ‬قادها أشاوس حرب‮ ‬أفذاذ،‮ ‬من قبائل التركمان،‮ ‬استطاعت بناء امبراطورية تمتد عبر آسيا وأفريقيا ووسط أوروبا حيث توقفت على أبواب فيينا النمسا‮.. ‬عانت مصر ومعها نحن،‮ ‬عندما أخذت مملكة آل عثمان التركمان في‮ ‬الأفول شأنها شأن‮ ‬غيرها من الأمم كما‮ ‬يقول سيدنا ابن خلدون،‮ ‬من التخلف والركود والسكون‮.‬
يحلو لنا نحن بني‮ ‬يعرب بوضع مثالب الماضي‮ ‬على بني‮ ‬عثمان من آل تركمان،‮ ‬بل ونقول حتى استعمارهم لنا،‮ ‬كما ولو لم نكن نستعمر أنفسنا بأنفسنا،‮ ‬ونتناسى وننسى أن دولة بني‮ ‬عثمان قامت على أكتاف العرب وإسلام العرب،‮ ‬وأن قرابة نصف كوادر الدولة العثمانية طوال الخمسة قرون كانوا من بني‮ ‬يعرب،‮ ‬حتى وإن تترّكو أو تعثمنوا إن شئتم‮ ! ... ‬كلنا في‮ ‬الهم شرق و‮ "‬ونشرق‮" ‬في‮ ‬لعابنا أحيانا‮!‬
مصر كانت أول ضحايا‮ ‬غزوات الفرنجة الجدد‮ ‬‮(‬بعد الصليبيين‮)‬‮ ‬في‮ ‬حملة نابوليون الشهيرة بنهاية القرن الثامن عشر،‮ ‬ثم أجلى الإنجليز الفرنسيس بتحالف مع آل عثمان،‮ ‬أصحاب العهدة في‮ ‬الحكم وإن كان متوليه طوائفهم من المماليك،‮ ‬وكانت هجمة الفرنجة الجديدة وما صاحبها بمثابة صعقة كهربائية لمجتمع‮ ‬غارق في‮ ‬الخمول استفاق منه عقبها،‮ ‬وأول المستفيقين كان محمد علي‮ ‬باشا الألباني‮ ‬وهو أحد المماليك من ذوي‮ ‬الصولة والجولة وبعض من الدهاء،‮ ‬وتمثل دهاؤه في‮ ‬التمكن من التخلص مبكرا عبر عملية تصفية دموية من منافسيه الطامحين لتبوأ مرتبته،‮ ‬فيما صار‮ ‬يعرف بمذبحة القلعة بمطلع القرن التاسع عشر‮ (‬بالمناسبة بعدها ببضع سنوات قام باشا آخر،‮ ‬هذه المرة لدينا في‮ ‬ليبيا‮ ‬– يوسف باشا القرمللي‮ ‬– من إعادة إنتاج ذات المذبحة في‮ ‬مدينة بنغازي‮ ‬بسنة‮ ‬1816 م وكان الضحايا شيوخ قبائل الجوازي،‮ ‬عندما رأى أنهم‮ ‬يشكلون خطرا على باشويته‮. ... ‬والمذبحتين كانتا بعد‮ "‬مأدبة‮")!‬ سيدنا محمد علي‮ ‬عندما استقر له الوضع شرع في‮ ‬مشروعه المتمثل بإقامة مملكة لعائلته،‮ ‬كان مستنيرا واستفاد من تجربة‮ ‬غزوة الفرنجة،‮ ‬وتأثر بهم دون شك،‮ ‬وعزم على إنشاء دولة حديثة وابتعث الدارسين إلى فرنسا،‮ ‬ونجح إلى حد ما في‮ ‬تحديث نسبي‮ ‬لمصر وإخراجها،‮ ‬او إخراج هيكلية الدولة إلى العصر الحديث،‮ ‬بل وشرع في‮ ‬ترتيب الجيوش وقام بغزوات هو وابنه إبراهيم واستطاعت دولته بلوغ‮ ‬مرتبة عالية من حيث القوة العسكرية والاقتصادية،‮ ‬إلا أن ذلك العصر كانت دول عظمى تهيمن عليه‮ (‬فرنسا،‮ ‬إنجلترا والإمبراطورية النمساوية الهنغارية‮)‬‮ ‬ولم تر السماح له بالتمادي‮ ‬فأحكمت عليه الخناق وقصفت أجنحته إلى حد ما في‮ ‬نفس الوقت التي‮ ‬كانت تخطط فيه للقضاء على ما بقي‮ ‬للمسلمين ومعهم آل عثمان من خلافة وقوة وتأثير،‮ ‬فالعالم أصبح لهم وهم في‮ ‬حاجة لأسواق ومناطق نفوذ‮ ‬يتقاسمونها بينهم وهم بالتأكيد قرروا القضاء على أي‮ ‬تواجد قوة إسلامية كبرى تنافسهم‮.‬
شيئا فشيئا صار نفوذ الغرب عظيما في‮ ‬مصر ليس في‮ ‬تقليص نطاق حراكها خارج البلاد فحسب،‮ ‬بل حتى في‮ ‬التركيبة الاجتماعية الجديدة التي‮ ‬أخذت طابعا هجينا‮: ‬
عائلة مالكة برئاسة عاهل‮ (‬خديوي‮) ‬يحكم بتخويل اسمي‮ ‬من‮ ‬عاصمة‮ ‬الخلافة بالآستانة باعتماد من دول الغرب،‮ ‬حاشية ومقربون للعائلة‮ ‬يستظلون بها وبالدرجة الأولى من كبار ملاك الأراضي‮ ‬الزراعية وكبار الإداريين والعسكريين،‮ ‬ثم طبقة جديدة تتكون أساسا من الجاليات الأجنبية التي‮ ‬بدأت في‮ ‬التوارد على مصر إما باستدعاء من الحكومة في‮ ‬سبيل تحديث الدولة أو من المستوطنين من ذوي‮ ‬الميزة نظرا لتأهلهم المهنى وما‮ ‬يتمتعون به من حصانات‮.‬
كارثتي‮ ‬قناة السويس والتوسع في‮ ‬زراعة القطن
ما رسخ هذه التركيبة حدثان عظيمان،‮ ‬تمثل الأول في‮ ‬تنفيذ مشروع حفر قناة السويس ثم إدخال الإنجليز لزراعة القطن على نطاق واسع بأكثر مما تحتاجه البلد من قبل الإنجليز عند اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية في 1865-1861 م‮ ‬ وما نتج عنها من انقطاع توريد قطن الولايات الجنوبية بأمريكا لمحالج بريطانيا العظمى وكان لابد من بديل،‮ ‬فكانت مصر‮! ‬بالدرجة الأولى‮.‬
نتناول الحدثين لأهميتهما فيما سيحدث لمصر‮:‬
قناة السويس
‮ ‬أحدثت ما‮ ‬يشبه الزلازل في‮ ‬عالم التجارة الدولية،‮ ‬فلقد اختصرت المسافة إلى أكثر من النصف ما بين أوروبا وأسواقها ومستعمراتها في‮ ‬آسيا‮. ‬المشروع قام به الفرنسيون عن طريق شركة مساهمة طرحت أسهمها بالسوق حازوا فيها نصيب الأسد وخصص جزء منها للدولة المصرية أو الخديوي‮ ‬إسماعيل،‮ ‬بريطانيا التي‮ ‬لم تكن تعتقد كثيرا بالجدوى استيقظت متأخرا بعد تحققها‮ ‬لما توفره لها القناة من سهولة الوصول لمستعمراتها في‮ ‬الهند وتجارتها مع الصين‮.‬
‮ ‬خشيت على ممتلكاتها ومصالحها والطريق إليها فغيرت رأيها واهتمت بمصر بهمة انتهت في‮ ‬خاتمة المطاف باحتلالها وإعلان الوصاية عليها،‮ ‬بمعنى أن الاستقلال النسبي‮ ‬لمصر انخفض مقداره لحد كبير جدا،‮ ‬منطقة قناة السويس المصرية أصبحت بمثابة منطقة محتلة لا سلطان للخديوي‮ ‬عليها‮. ‬هذا الخديوي‮ ‬كان مأخوذا أصلا بالحدث والحداثة القادمة معه وصار‮ ‬يقلد الغرب بل ويحاول تحويل مملكته إلى قطعة من أوروبا فأهدر أموالاً‮ ‬لا حصر لها في‮ ‬تشييد العمائر وفي‮ ‬مشاريع عديدة بكلفة مرتفعة لم تتحملها خزائنه فأخذ‮ ‬يقترض بل وباع أو ارتهن جزءاً‮ ‬كبيراً‮ ‬جدا من أسهم الدولة المصرية في‮ ‬قناة السويس،‮ ‬من ضمن مشاريعه الغريبة وعلى سبيل المثال لا الحصر،‮ ‬إصراره على إقامة دار للأوبرا حيث كلف الموسيقار الإيطالي‮ ‬الشهير‮ (‬فيردي‮) ‬بتأليف أوبرا‮ (‬عايدة‮)‬،‮ ‬هذا التكليف لوحده،‮ ‬ولكي‮ ‬نتبين مدى التبذير بل السفاهة التي‮ ‬وصل إليها الخديوي‮ ‬اسماعيل،‮ ‬وصل لمبلغ‮ ‬مئة وخمسين ألف فرنك ذهب،‮ ‬ولا‮ ‬يدخل في‮ ‬ذلك ما أنفق على الإخراج والديكور والملابس‮ ‬‮(‬لا ندري‮ ‬ما استفاد الفلاح المصري‮ ‬أو عامل السخرة ‮»‬الرقيق‮« ‬من هذه الأوبرا‮!)‬،‮ ‬لا بد أن نضيف أن من تغلب على إسماعيل باشا في‮ ‬مثل هذا الإسفاف هو شاه إيران السابق في‮ ‬الاحتفال بذكرى مرور ألفي‮ ‬عام على إنشاء بيرسيبوليس حيث كاد أن‮ ‬يفرغ‮ ‬خزانة إيران،‮ ‬وكل ذلك عشقا وتماهيا في‮ ‬الروم والفرنجة والأنغلوساكسون‮! ... .‬
‮ ‬لو كان‮ "‬العز بن عبدالسلام‮" ‬حيا وذا قضاء،‮ ‬لحجر على الاثنين‮!‬
قناة السويس أسهمت في‮ ‬تشكيل الطبقات،‮ ‬المسحوقة منها‮ (‬عمال السخرة والفلاحين‮)‬‮ ‬والطبقة المتميزة المدعية بأرستقراطية‮ (‬ملاك الأراضي‮ ‬الزراعية وذوي‮ ‬العلاقة بالقصر‮) ‬وطبقة‮ "‬الخواجات‮" ‬الأجانب ثم طبقة البيروقراط المصرية الوطنية،‮ ‬قليلة الشأن نوعا ولكنها كانت تجاهد وتكافح،‮ ‬إلى جانب كل هؤلاء طبقة بورجوازية صغيرة‮ ‬‮(‬سكان المدن والبلدات‮)‬‮ ‬من تجار وموظفين ومهنيين‮.‬
المأساة الكبرى لقناة السويس أنها رسخت الفرقة بين كل هؤلاء والطبقة المسحوقة للنخاع من عموم المصريين وتحديدا الفلاحين وعمال السخرة الذين تم جرّهم قسرا للعمل في‮ ‬حفر القناة ويعاملون معاملة لا تمت للإنسانية بصلة ويموتون هناك،‮ ‬الحيوانات التي‮ ‬كانت تستخدم في‮ ‬عمليات حفر القناة من حمير وبغال وإبل،‮ ‬كانت تعامل بطريقة أفضل‮!‬
‮ ‬هذه الطبقة في‮ ‬تقديري‮ ‬قد تصل إلى‮ ‬%70 من الشعب المصري‮.... ‬والجناة؟
‮ ‬الأجانب ومن تعاون معهم من أهل البلاد‮!‬
القطن القطن‮!‬
المأساة الثانية التي‮ ‬ربما زادت من معاناة الشعب المصري‮ ‬أضعافا أخرى،‮ ‬هي‮ ‬إدخال الإنجليز لزراعة القطن على نطاق واسع في‮ ‬مصر‮ (‬القطن معروف في‮ ‬مصر منذ القدم ولكنه للاستعمال المحلي‮)‬،‮ ‬وكما أسلفنا السبب هو انقطاع تدفق قطن الولايات الجنوبية من أمريكا‮ (‬والذي‮ ‬كان‮ ‬ينتج بالمناسبة من قبل الرقيق الأفارقة المستعبدين قسرا‮).‬
نجحت تجربة زراعة القطن وحلت مشاكل محالج ليفربول البريطانية إلا أن القطن المصري‮ ‬‮(‬طويل التيلة المتميز‮) ‬صار سلعة تجارية دولية ذات شأن وتعيير في‮ ‬بورصات العالم ومضارباتها،‮ ‬ومن الذي‮ ‬استفاد؟‮ .... ‬ثلاث فئات لا‮ ‬غير‮! ‬وليس من بينهم صاحب المصلحة‮!‬ سماسرة القطن وبورصته في‮ ‬مصر والعالم،‮ ‬ثم الإنجليز بكونهم تحصلوا على سلعة مطلوبة وذات مكسب وجدوى،‮ ‬ثم؟‮ ... ‬ملاك الأراضي‮ ‬الزراعية الكبرى في‮ ‬وادي‮ ‬نهر النيل والدلتا‮.‬ وهنا نتوقف قليلا لنتعرف على ما أصبح‮ ‬يعرف بالإقطاع‮:‬
الإقطاع
الإقطاع في‮ ‬مصر لم‮ ‬يتأسس كما سنوه في‮ ‬أوروبا،‮ ‬أي‮ ‬من قبل أمراء ولوردات وبارونات تملكوا الأراضي‮ ‬واستعبدوا الناس‮ ‬– لحمايتهم كما كانوا‮ ‬يبررون‮ ‬– بل بفعل منح مباشر من صاحب بيت المال في‮ ‬مصر،‮ ‬ومن هو صاحبه؟‮ ... ‬الوالي‮ ‬أو المملوك أو الباشا ومن بعده الخديوي،‮ ‬أي‮ ‬الذين تولوا أمر حكم مصر،‮ ‬وكيف؟
لإن‮ ‬مصر فتحت على‮ ‬يدي‮ ‬عمرو بن العاص عنوة،‮ ‬أي‮ ‬ليس صلحا،‮ ‬بل حربا،‮ ‬والسبب؟ المسلمون قاموا بالغزو والحرب ضد الرومان،‮ ‬حكام مصر،‮ ‬الذين كانوا‮ ‬يشكلون تهديدا للدولة الإسلامية الناهضة،‮ ‬والتوصيف الشرعي؟‮ ...‬
‮ ‬كل بلد‮ ‬يفتح عنوة تؤول أراضيه لبيت مال المسلمين ويسمح لمالكها السابق أو مستغلها بالاستمرار في‮ ‬استثمارها مقابل دفع العشر لبيت المال‮.‬
عادة لا‮ ‬يسمح بالتنازل عن ملكية عقار تعود لبيت المال،‮ ‬ولكن في‮ ‬ظروف محددة عينها الفقهاء قديما،‮ ‬كان ذلك لا‮ ‬يسمح به إلا في‮ ‬حالات معينة تتعلق بالمصلحة العليا للأمة،‮ ‬وحيث أن الأمة‮ "‬تطرطشت‮" ‬وانتصب على مقعد الحكم أناس أخر دون شورى‮ ‬‮(‬يعني‮ ‬بلا ديموقراطية بلا كلام فاضي‮)‬،‮ ‬صار الجالس على كرسي‮ ‬العرش‮ ‬ينصب نفسه أمين بيت المال،‮ ‬ومن ثم كانت الأراضي‮ ‬والإقطاعات تمنح على الهوى،‮ ‬إما مكافأة على تعاون أو على سبيل مرتب تقاعد أو ثمن‮ ‬يدفع لكي‮ ‬يبتعد فلان أو علان عن التفكير في‮ ‬أشياء أخرى‮!‬ من قام بهذا في‮ ‬مصر تحديدا؟‮ ...
‬ حسنا،‮ ‬القائمة طويلة ولكنها تبدأ من الممالك والمماليك من حين آل بني‮ ‬أميّة‮ ‬وصولا لمحمد علي‮ ‬باشا،‮ ‬ونهبت مصر وبيعت وأعطيت لغير أصحابها المستغلين لها وامتهن الفلاح الكادح من الفجر إلى العشاء وأصبح‮ "‬يباع‮" ‬مع الأرض التي‮ ‬يجلس فوقها مثله مثل الأنعام‮!‬ ‮ ‬وهكذا عندما صار للقطن إقبال ترسخ الوضع أكثر ولم‮ ‬يستفد الفلاح الذي‮ ‬ينتجه سوى بعض من فتات‮! ‬وتكونت ثروات سمحت بشراء ألقاب الباشوات والبكوات وأصحاب السعادات‮.‬ طرفة فتوى إيطالية في‮ ‬ليبيا‮!‬
انتقل بكم لطرفة لعلها تخفف وقع المقال وطوله‮:‬
في‮ ‬ثلاثينات القرن الماضي،‮ ‬عندما تمكن الإيطاليون بعد حرب استمرت عشرين سنة،‮ ‬من القضاء على المقاومة الليبية في‮ ‬إقليم برقة،‮ ‬شرعوا في‮ ‬إنشاء المشاريع ومنح امتيازات بها لشركاتهم،‮ ‬هذه الشركات كانت تريد أوراقا شرعية لإثبات ملكية الأراضي‮ ‬الزراعية في‮ ‬بورصات إيطاليا،‮ ‬فما كان من الإيطاليين إلا أن قاموا بالبحث والتنقيب وعثروا على ما ذكرت آنفا بخصوص ملكية أراضي‮ ‬البلاد التي‮ ‬يتم فتحها عنوة ومن ثم‮ ‬بكونها تعود ملكيتها القطعية لبيت مال المسلمين،‮ ‬وما كان الأمين على بيت المال هذا،‮ ‬الذي‮ ‬هو الخليفة العثماني‮ ‬عند احتلال إيطاليا لليبيا في‮ ‬سنة‮ ‬1911م ولما كان سيدنا الخليفة العصمللي‮ ‬قد أبرم معاهدة صلح مع إيطاليا في‮ ‬مدنية لوزان بسنة‮ ‬1912 م تنازل فيها عن كل صلاحياته الشرعية وحقوقه في‮ ‬ممارسة السلطة‮ (‬طبعا لم‮ ‬يتنازل عن حقه في‮ ‬ممتلكاته‮ "‬الخاصة‮" ‬في‮ ‬ليبيا‮)‬‮ ‬وكذلك أقر واعترف بأن ليبيا أصبحت إيطالية،‮ ‬حسنا وبناء على ذلك خرّج فاشست إيطاليا بأن‮ "‬الأمين‮" ‬على بيت مال المسلمين في‮ ‬ليبيا الآن هو‮ ‬‮(‬قصير الضرطة‮) ‬أومبرتوا ملك إيطاليا،‮ ‬وبالتالي‮ ‬يصبح لسيدنا الملك الإيطالي‮ ‬الحق في‮ ‬إصدار مرسوم‮ ‬يسحب فيه حق‮ "‬الانتفاع‮" ‬من مواطني‮ ‬الجبل الأخضر في‮ ‬برقة‮! ‬لماذا؟ لأنهم لم‮ ‬يسددوا العشر السنوي‮ ‬عن دخلهم،‮ ‬ولما كانت إيطاليا مقدرة وحنونة،‮ ‬خصوصا بعد تبينها حالة الليبيين الغارقين في‮ ‬البؤس والفقر،‮ ‬لذلك أعفتهم من تسديد العشر وطلبت منهم الانسحاب من الأراضي‮ ‬بهدوء ووعدتهم ببضع فرنكات على سبيل التعويض‮ (‬ابشروا‮ ‬يا أهل فلسطين‮!)‬‮ ‬وهكذا صار‮ ... ‬ ما سلف هو فحوى‮ "‬فتوى‮" ‬إيطالية إسلامية،‮ ‬هل تعرفون من حررها؟‮ ..... ‬السيد العالم المستشرق‮ "‬نيللينو‮" ‬،‮ ‬وهو شيخ الاستشراق في‮ ‬بلاد المعكرونة‮ .... ‬العبرة؟‮ .... ‬استشراق؟ أكاديميا؟ بحوث علمية؟ تسهيل استعمار؟‮ .... ‬اللهم ارحم حبيبنا‮ "‬إدوارد سعيد‮" ‬مؤلف كتاب الاستشراق‮!‬
لمن‮ ‬يشك في‮ ‬معلومتي‮ ‬أفيده بأن لدي‮ ‬نص فتوى الشيخ‮ "‬نيللينو‮" ‬بلغتها الإيطالــية الأصليـــــــة‮! ‬نيللينيو‮ ‬NELLINO‮ ‬أفنى عمره في‮ ‬دراسة الإسلام واللغة العربية‮.‬ مصر التي‮ ‬نحب وما لا نحب لها‮!‬
نعود لمصرنا التي‮ ‬نحب ويؤلمنا ما لا نحب لها،‮ ‬في‮ ‬نهاية القرن التاسع عشر تكبلت الدولة من ثقل أحمال الديون التي‮ ‬أنفقت في‮ ‬عبثيات وترّهات لا فائدة منها ولا‮ ‬يحزنون،‮ ‬فما كان للدول العظمى إلا أن تأتي‮ ‬لمصر هذه المرة بمنطق جديد‮:‬
رقابة موارد الدولة المصرية وضمان عدم‮ "‬شعترتها‮" ‬وتسديد القروض وفوائدها للدائنين الأوروبيين،‮ ‬الهيمنة على الحكومة بحيث تعمل تماما ما‮ ‬يقال لها في‮ ‬باريس ولندرة‮ ‬ في‮ ‬هذه الآونة تشكلت في‮ ‬مصر طبقة من الوطنيين الذين لم‮ ‬يتحملوا الغبن،‮ ‬وكانت ثورات،‮ ‬دنشاوي،‮ ‬عرابي‮ ... ‬الخ‮. ‬ولما كانت مصر قلب الإسلام والعروبة النابض‮ (‬شاء البعض أم أبى‮)‬‮ ‬فلقد اهتم أهل مصر‮ ‬‮(‬من‮ ‬غير المدهنين‮) ‬وانتبهوا لما‮ ‬يدبر لهم ولإخوانهم خصوصا بعد الاحتلال العسكري‮ ‬المباشر لمصر من قبل الإنجليز1882م وما‮ ‬يحاك في‮ ‬سبيل القضاء على‮ "‬هوية‮" ‬المسلمين والعرب عموما ومن ثم ضرورة التوعية والحشد للأمة،‮ ‬فكان جمال الدين الأفغاني‮ ‬ومحمد عبده ومن قبلهم الكواكبي‮ .. ‬الخ‮. ‬ونشطت في‮ ‬مصر حركة تدعو للتصدي‮ ‬للقادم من الشمال‮! ‬العازم طرّا على الهيمنة على الجميع،‮ ‬بالمال بالسلاح بالثقافة‮ ... ‬بجميع الوسائل‮.‬
في‮ ‬بدايات القرن العشرين،‮ ‬ظهرت صحافة وخرجت كتابات في‮ ‬المضمون لطفي‮ ‬السيد‮ ‬– إلى حين‮- ‬عبد العزيز جاويش‮ (‬من مواليد بنغازي‮)‬‮ ‬1861 م سعد زغلول‮ (‬والذي‮ ‬يتنازع البعض إلى الآن في‮ ‬كونه استقطب أم لم‮ ‬يٌستقطب من طرف إخوتنا الإنجليز‮)‬‮....‬ ‮ ‬استقر الحال على المطالبة بالاستقلال والجلاء كيفما كان،‮ ‬ولم‮ ‬يكن ذلك سهلا،‮ ‬استعرّت الحركة التي‮ ‬صارت وطنية وعانى منها الإنجليز وأصحاب العرش المعينين،‮ ‬ثم الاتفاق على دستور وإلغاء الحماية و"استقلال‮" ‬بشكل ما ولكن مع دوام احتلال القنال‮.‬
في‮ ‬عام‮ ‬1936م كان اتفاق آخر،‮ ‬أخذ فيه الاستقلال طابعا أكثر وضوحا،‮ ‬وفي‮ ‬هذا العام سمح لأول مرة بدخول الكلية العسكرية لعامة الناس،‮ ‬وهي‮ ‬السنة الفصل،‮ ‬لصاحبنا جمال عبد الناصر وصحبه،‮ ‬إذ تمكن أبناء‮ "‬البورجوازية‮" ‬الصغيرة من دخول المراتب العلى التي‮ ‬كانت قصرا على أهل الحظوة‮.‬
أحسب أنه كان‮ ‬في‮ ‬وعي‮ ‬جمال عبد الناصر ما تليت سلفا،‮ ‬وعند تأملنا‮ ‬أحداث الحقبة التالية‮:‬ الحرب العالمية الثانية والتهديد بضياع مصر من‮ ‬يد الإنجليز،‮ ‬وحسم أمر إعادة تعيين النحاس رئيسا للوزراء في‮ ‬يوم‮ ‬4 فبراير تحت وطأة دبابات بريطانيا،‮ ‬انتهاء الحرب وبدء مأساة فلسطين والحرب هناك ثم المرارة من الهوان وحال الفقر والبؤس وهيمنة الأجانب والإقطاع وقناة السويس وملكية خانعة خائبة وارستقراطية تعاني‮ ‬من عقد النقص‮ ... ‬إلخ‮. ‬ثم تيار وحراك إسلامي‮ ‬جارف متمثل في‮ ‬حركة الإخوان المسلمين وبعض حراك من جماعة أهل اليسار لا‮ ‬يظهر للعيان سوى في‮ ‬مجال الثقافة والبيان‮.‬
عبد الناصر كان مهموما بقضايا الوطن،‮ ‬ومن هنا شرع في‮ ‬التدبير والتخطيط وجمع من حوله أفراد من طبقة العسكر وقليل من أهل الفكر،‮ ‬نجح في‮ ‬انقلاب،‮ ‬سرعان ما تحول إلى‮ "‬ثورة‮" ‬فعلا وتفعيلا،‮ ‬لقد كان الرجل‮ ‬ينطق بما‮ ‬يحب أن‮ ‬يسمعه شعبه‮.. ‬بل حتى بما كنا نحن نحب أن نسمعه في‮ ‬ليبيا وبقية أوطان العروبة والإسلام بل وحتى في‮ ‬أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية،‮ ‬في‮ ‬بضع سنين‮ ‬
ماذا كان‮ ‬يريد عبد الناصر أن‮ ‬يفعل؟
الاستقلال الكامل لمصر،‮ ‬إجلاء القوات البريطانية،‮ ‬مكافحة الفساد،‮ ‬إصلاح الدولة والقضاء على الإقطاع،‮ ‬إقامة الحكم الرشيد،‮ ‬الإصلاح الزراعي‮ ‬والاقتصادي،‮ ‬التعليم العام المجاني،‮ ‬الثأر لهزيمة‮ ‬48 في‮ ‬فلسطين،‮ ‬وربما التخلص من شركة قناة السويس‮ ‬–الفرنسية‮- ‬المتمتعة بحماية الإمبراطورية‮ ‬البريطانية‮.. ‬ثم و من بعد؟‮ .... ‬بعد أن هاجت به الجماهير حبا،‮ ‬في‮ ‬مصر وبلاد العرب وغيرها‮ ..... ‬الوحدة العربية،‮ ‬الحياد الإيجابي،‮ ‬دعم حركات التحرر ومكافحة الاستعمار،‮ ‬ثم والأهم من ذلك كله،‮ ‬صار الرجل زعيما لأننا كلنا في‮ ‬ذلك الوقت أردنا ذلك‮! ‬كنا نبحث عن زعيم‮!‬
المشروع كبير،‮ ‬واللحاف قصير،‮ ‬وإن كان هنالك أمل في‮ ‬أن‮ ‬يطول بدعم وزخم‮ ... ‬ولكن،‮ ‬وكالعادة،‮ "‬الآخر‮" ‬متربص،‮ ‬الغرب وماضيه وتاريخه وطموحاته،‮ ‬كان متربصا،‮ ‬لم‮ ‬يكن‮ ‬يخشى كثيرا من عبد الناصر لشخصه،‮ ‬ولكنه ارتعب مما‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينتج عن خطابه في‮ ‬مصر والأخطر منها،‮ ‬رحاب عالم العرب والإسلام ودول العالم النامي،‮ ‬فالرجل لم‮ ‬يكن سوى عسكري‮ ‬من دول العالم الثالث،‮ ‬وطني‮ ‬عفوي،‮ ‬متحمس،‮ ‬تصادف أن كان خطيبا مفوها‮ ‬يلامس القلوب والعقول أيضا من حيث الذاكرة،‮ ‬لاقى صدى عظيما،‮ ‬القضاء عليه أو احتواءه لم‮ ‬يكن صعبا،‮ ‬ولكن إن قدر لخطابه السريان فجمهور المتلقين عظيم ورحابهم‮ ‬يغطي‮ ‬رقعا شاسعة من العالم بالغة الحساسية الإستراتيجية وقد‮ ‬يمس مصالحهم إلا أنه رأوا التريث إلى حين‮ .‬
سير الأحداث كان بوتيرة سريعة،‮ ‬انتهت الملكية وذهبت طبقات الحكم الأولى بعيدا،‮ ‬وتولى نصاب الدولة شباب بدوا وكأنهم لا‮ ‬يخشون شيئا،‮ ‬انضوت مصر كلها تحت لوائه،‮ ‬بمن فيهم أهل الحراك الإسلامي،‮ ‬ألهب المشاعر‮! ‬ولا‮ ‬يلام الرجل أن شرع في‮ ‬مشروعه،‮ ‬أخذ‮ ‬يقلص من حجم تأثير رأس المال القديم ومن في‮ ‬ركابه من دهاقنة السياسة المعتادين،‮ ‬إصلاح زراعي،‮ ‬تأميمات،‮ ‬تعبأة جماهيرية‮ ... ‬صارت مصر تحكم من قبل مصريين لا‮ ‬غير‮ ... ‬لأول مرة منذ زمن بعيد‮!‬
باشر بالإنجليز،‮ ‬ونجح في‮ ‬ترحيلهم فما كان لهم من عزيمة على المقاومة،‮ ‬أخذ في‮ ‬وضع المشاريع الكبرى‮ .... ‬السد العالي،‮ ‬مٌنع التمويل فعجل بالتأميم،‮ ‬قناة السويس آخر معاقل الكبار‮.‬
حرب‮ ‬56
ارتعب القوم وقرروا،‮ ‬الإنجليز والفرنسيس اتحدوا ومع آل عبران،‮ ‬المتوجسين شرا،‮ ‬تآمروا ثم ضربوا حرب‮ ‬ 56كاد عبد الناصر‮ ‬يذهب سدى،‮ ‬التفاف شعبي‮ ‬منقطع النظير،‮ ‬مقاومة شعبية‮ ‬غير متوقعة‮ (‬بورسعيد‮)‬،‮ ‬موازنات دولية،‮ ‬إنذار الرفيق‮ " ‬بولجانين‮"‬،‮ ‬غضب أيزنهاور من الحلفاء الأقدمين وعزوفه عن تغطيتهم ودعمهم كما كانوا‮ ‬يتوقعون‮ ‬‮(‬لإنهم لم‮ ‬يستشيروه؟ أم لأنه كان‮ ‬يريد انقضائهم؟ حزر فزر‮!)‬
‮ ‬في‮ ‬الختام باءت الحملة بالخيبة وانتصر عبدالناصر‮! ‬من الذي‮ ‬كان‮ ‬يستطيع في‮ ‬ذلك الوقت أن‮ ‬يطعن في‮ ‬الزعيم؟‮ ... ‬اكتسح جمال الجميع،‮ ‬جاؤوا إليه أهل الشام للوحدة طالبين،‮ ‬توحد البلدان،‮ ‬وبقصر نظر البعض من الجهتين لم‮ ‬يتحقق المنشود،‮ ‬وكانت أولى الخيبات،‮ ‬ثم لمواجهة تمنّع الغرب عن التعامل والتعاون اضطر للجوء للشرق،‮ ‬الاتحاد السوفييتي‮ ‬وركبه،‮ ‬ثم الاشتراكية والتأميمات وتوليد ديناصور‮ "‬القطاع العام‮" ‬وبعدها‮ "‬اليمن‮"‬،‮ ‬هذه لوحدها‮ ‬يستحق عليها الجائزة،‮ ‬وإن كانت الكلفة جد عظيمة،‮ ‬ثم الحرب في‮ ‬67 والكارثة التي‮ ‬نتجت عنها‮ ... ‬نجاح هنا وفشل هناك‮! ... ‬لماذا؟
‮ ‬الاعتداد بالرأي؟ إعلان الحرب على الإسلاميين وبالتالي‮ ‬فقدان اللٌحمة؟ الاضطرار للشرق بسبب نفور وعزوف الغرب؟ إعادة إنتاج‮ "‬البوليس السياسي‮" ‬خاصة الملك فاروق؟ مباحث‮ ... ‬أمن‮ .... ‬مخابرات‮.. ‬إعلام على الطراز السوفييتي؟ شطيطح بن طيطح؟ زمرة الطبل الزمر المتزلفين؟ تغييب الرأي‮ ‬الآخر؟‮ .... ‬شطحات الحلفاء اليساريين ثقافة؟ تكون طبقة بيروقراطية عسكرية؟ مركزية السلطة؟ معلومات خطأ؟ أم هي‮ ‬مجرد عدم مواءمة‮ ‬الديمقراطية مع طبقة العسكرية؟
أيًا كان الأمر،‮ ‬أحمال وأعباء الرحل كانت مما تنوء به الجبال‮!‬
استيقظ بعد نكبته‮ ‬،‮ ‬وأخذ‮ ‬يراجع ذاته،‮ ‬وتصدى لدرء ضرر الموبقات وأخذ في‮ ‬محاكمات‮ (‬فساد المخابرات؟‮!‬‮) ‬ثم باشر بالاستعدادات لاستعادة المسلوبات وكاد‮ ‬يحقق‮ ... ‬إلا أن المنية وافته،‮ ‬وجاء بعده‮ ‬غيره،‮ ‬تلك سنة الله في‮ ‬خلقه‮ ... ‬ونعود نسأل‮: ‬
كيف نحكم عليه؟‮ ...‬
‮ ‬من جهتي‮ ‬أعلنت مقدما بأني‮ ‬لن أستطيع أن أكون محايدا،‮ ‬فأنا وعيت على الدنيا أنا وأسرتي‮ ‬نحب الرجل،‮ ‬أتذكر شقيقي‮ ‬الأكبر عندما أحضر صوراً‮ ‬في‮ ‬إطارات لتعليقها في‮ "‬مربوعة‮" ‬الوالد،‮ ‬لم‮ ‬يمانع أبي‮ ‬فلقد كانت لمجلس قيادة الثورة المصرية وأخرى لجمال عبد الناصر وبجانبه محمد نجيب،‮ ‬هل ما زلت أحبه؟ لا أدري‮ ‬ولكنه كان‮ ‬ينفخ فينا روحا‮! ‬مازلت أعاني‮ .... ‬منه‮!‬
‮ ‬فشل وانتكس وتسبب في‮ ‬أذى واعتقال وتعذيب وقتل بالآلاف،‮ ‬ثم جعل من جماعة البصاصة والعساسة‮ ‬يصولون ويجولون ويصنفون ويكتبون التقارير ويكيلون التهم بالباطل‮ ‬يمنة ويسرة،‮ ‬ماذا أقول؟
فعلها كثير‮ ‬غيره ممن سبقوه وبه لحقوا‮...‬
أو لم‮ ‬يكن زعيما؟‮ ‬
نعم كان زعيما‮ ... ‬وكاد‮ ‬يكون‮ "‬الزعيم‮" ...‬
هل نحن بحاجة لزعيم؟‮ ‬
‮ ‬لا أحير لكم جوابا‮ ....‬
لكل جواب،‮ ‬فليبحث كل واحد عن جوابه‮!‬ ‮ ‬
بقلم : رمضان جربوع
هذا نص المنشور بصيفة قورينا الفضائية الليبية  أنقله اليكم تمهيا لبدء حلقة نقاش تضم كلا من الاستاذالفاضل/ اشرف مشالى من الاسكندرية , والاستاذة الفاضلة / صفاء داوود من القاهرة  , وأنا/ محمود سالم من المنصورة  , والباب مفتوح لمن يريد من الجيران الانضمام الى حلقة النقاش  وموضوع  ورقة النقاش هو " حكام مصر الثورة مالهم وما عليهم " وذلك بهدف مناقشة الى أين وصلت مصر , تمهيدا لاعداد ورقة مقترحات للنهوض بمصر وذلك بناء على طلب الاستاذ مشالى , حيث أرى من وجهة نظرى أنه من الضرورة استعراض تاريخ مصر منذ قيام ثورة 23 يوليو للوقوف على ما تحقق من مبادئ الثورة ومالم يتحقق وأيضا الوقوف على الانحرافات عن درب الثورة والسلبيات والايجابيات قبل طرح أية مقترحات بهذا الخصوص وقد تكون ورقة دليل عمل لأولى الأمر , وتلك حياتنا وحياة أولادنا من بعدنا لذلك لاتوجد أى غضاضة لإى المساهمة فى التخطيط لمستقبل بلادنا , أرجو أن تكون بداية موفقة , ودعوتى للفلضل مشالى والفاضلة صفاء والأفاضل الجيران للمناقشة واثراء ورقة النقاش , مع تحياتى علما بأن مصر لاتهم المصريين فقط وانما تهم العالم العربى أجمع حيث تمثل الأخ الأكبر وهذا هو الدليل بين يدى حضراتكم ( ليبيون يناقشون قضايا مصر فى صحافتهم )
تحياتى للجميع ومدونتى مفتوحة لكافة التعليقات سواء بالسلب ام بالايجاب فالاختلاف فى الرأى لايفسد للود قضية .
المهندس/ محمود سالم

تعليق على مقال الأستاذ/مشالى

لقد قرأت مقالا مطولا للأستاذ/ مشالى وأحببت أن أكتب تعليقا عليه , لكنى لاأعرف بالضبط ماهو حجم المساحة المتاحة للتعليق , وخشيت أن ينشر التعليق مبتورا فلا تتحقق الفائدة المرجوة منه , خصوصا وأن الموضوع يمثل قضية تهم مصر كلها , وبالتالى ما يحدث فى مصر ينعكس على باقى الأمة العربية , ذلك القال يحمل عنوان " ؤية مخلصة للنهوض بمصرنا وعروبتنا واسلامنا "
صديقى الأستاذ/ مشالى
بداية أرجو أن تتقبل تحياتى وتهنئنى على موضوعك الهادف , كما أرجو الاحاطة بأننى من مواليد فبراير عام 1945 , ربما تتسائل وما دخل تاريخ الميلاد بموضوعنا ؟ سؤال طبيعى ومقبول واجابته هى أننى بسبب هذا التاريخ قد قدر لى أن أعاصر أنماط حكم مختلفة فقد عاصرت أيام الملك فاروق , والملك الرضيع أحمد فؤاديشاركه فى الحكم أو ينوب عنه الوصى على العرش , ثم كان زمن الرئيس / اللواء محمد نجيب , ثم الرئيس / جمال عبد الناصر , ثم الرئيس/ محمد أنور السادات , ثم الرئيس/ محمد حسنى مبارك , حقب زمنية لكل منها خصائصها وعيوبها ومميزاتها , ل، أحاول القول بأنى شاهد على التاريخ , ولكنى وبكل تأكيد معايش للتاريخ وللعصر فى تلك الأزمنة , وتنسحب على انعكاساتها.
دعنا من فترة حكم الملوك لأنى وقتها لم يكن قد اكتمل عندى الوعى الادراكى تماما , كذلك ليكون حديثنا موضوعيا دعنا أيضا نقفز فوق زمن اللواء محمد نجيب لنصل الى زمن الرئيس عبد الناصر.
هل تعلم سيدى بأن هذا الوقت كان عصرا ذهبيا لكرامة الانسان المصرى خارج بلاده , دعنا من سلبيات الداخل فتلك الأمور نتجت عن انشغال الزعيم بالأمور المصيرية ليس لمصر فقط ولكن للعالم العربى أجمع حيث تولاها نفر - الله يسامحهم - جرفهم الشيطان الى قبيلته فعاثوا فى الأرض فسادا , لكنى أقول لك أن أولويات الاهتمام بالفرد كانت موجودة بوضوح , لم يكن هناك استغلال فى الاسعارولا فى الصحة ولا فى التعليم ,لقد صدر القانون 46 لسنة 1964 ليحدد الحد الأدنى للأجور بتسعة جنيهات شهريا لمن لايملك أى مؤهلات فى الوقت الذى حدد فيه سعر كيلو اللحم بثلاثين قرشا وكيلو الأرز بأقل من ثلاثة قروش ( واعتبر ذلك موجة غلاء بسبب الشروع فى بناء السد العالى ) كانت الدولة ملزمة بتوظيف جميع الخريجين من أصحاب الشهادات المتوسطة والعليا كان سعر السيارة الفيات خمسماية جنيه بالتقسيط وبمقدم خمسون جنيها فقط , كان التعليم مجانيا بمختلف مراحله وكانت الرعاية الصحية مكفولة للجميع وبالمجان وكان المجتمع غنيا بأخلاقياته , باختصار ابتعد عن الحزب الشيوعى وحزب الاخوان المسلمين وعش فى هناء وهدوء , وكانت خيرات مصر تمتد الى جميع انحاء العالم من الجزائر الى الكونغو ومن كوبا الى العراق واليمن حتى وصلنا الى هزيمة 1967 نتيجة سلبيات الزمرة التى أشرت اليها سابقا يضاف اليها ضربة الاجهاض التى تولتها اسرائيل وامريكا من خلف الستار وظروف أخرى تتعلق بعدم المصداقية من قادة الجيش الذى كان موزعا بين اليمن والعراق والكونغو,
وبرغم ذلك أدرك الرئيس عبد الناصر أنه المسئول عن الهزيمة فقدم استقالته فى شجاعة مفوضا الشعب فى تقديمه الى محمكمة عسكرية باعتباره حاكما فشل فى تسيير الأمور ( انظر الى مدى شجاعة الرجل وتعامله بواقعية والتزامه بميثاق الشرف العسكرى ) غير أن الشعب كان أيضا على درجة من الوعى قرر معها اعطاء الرئيس فرصة ثانية فرفض الاستقالة وطالبه بالبقاء فى موقعه ,وبدأت مرحلة أخرى من حكم عبد الناصر الذى رفض منطق الهزيمة والاستسلام ورفع شعار أن ما أخذ بالقوة لايسترد بغير القوة , وأنه لاصلح ولاتفاوض ولا استسلام , وفعلا بدأت معارك الاستنزاف , وكنت أنا واحد من الذين نالوا شرف الدفاع عن الوطن والتصدى للغطرسة الاسرائيلية فى هذه المعارك ولن أحدثك الآن عن التفاصيل فالحديث عنها يطول وتلك قصة أخرى ,حتى جاء يوم تكالب فيه على الرئيس عبد الناصر أكثر من عدو , كان مرض السكرى , وكانت معارك شهر أغسطس 1969 وخصوصا تلك التى استشهد فيها الفريق عبد المنعم رياض ومعركة الجزيرة الخضراء , علما بأننا كنا نحارب برأس مكشوفة حيث لم تكن هناك طائرات تحمى رؤوسنا أثناء القتال حيث تم تدميرها جميعا فى صباح يوم خمسة يونيو 67 , كان هناك أيضا النزاع الفلسطينى الأردنى الذى يعرف بأيلول الأسود ومتاعب عبد الناصر لتوحيد الصف العربى , وكان ما أشيع بعد ذلك ولا يعلم حقيقته الا الله عن تسميم الرئيس بالسم البطئ متورطا فيه أجهزة استخباراتية , المهم لقد سقط عبد الناصر شهيدا وهو يناضل , وتولاها من بعده الرئيس أنور السادات ومعروفة أيضا انجازاته التى توجت بحرب اكتوبر , وسقط السادات شهيدا ولانريد الخوض فى التفاصيل فتولاها رئيس مجلس الشعب حتى يتم انتقال السلطة الى نائبه الرئيس مبارك وهنا لى وقفة : اننى أكن وافر الاحترام للسيد/ حسنى مبارك كواحد من أبطال حرب أكتوبر , ولكنى منذ البداية لم يعجبنى كرجل دولة ورئيسا لمصر على وجه الخصوص , كنت فى ذلك الوقت ( وقت استشهاد الرئيس السادات ) فى ألمانيا ولم أعلم بالواقعة الا عند عودتى للبيت فى نهاية اليوم حيث وجدت جارى الألمانى قد سجلها لى على شريط فيديو , وسهرت طول الليل أحاول اصطياد الاذاعات العربية للالمام بما حدث , وتفهمت أن يعلن الرئيس الانتقالى ( رئيس مجلس الشعب) حالة الطوارئ فى أنحاء البلاد , وتوقعت أن تعود الأمور الى نصابها بعد تولى الرئيس الجديد مهام عمله , أما أن تبقى تلك الحالة معلنة حتى يومنا هذا فذلك أمر يفوق حد الجنون , وليس له غير مدلول واحد أن هذا الرئيس انما خوفه الأول هو من شعبه واعلان الطوارئ بهذا الشكل يضعه فى موضع الدكتاتور , وتلك بداية لحكمه غير مبشرة ,لكنى مع ذلك بقيت على احترامى له كرمز لبلادى وكنت أغضب كثيرا ممن يلقبونه بالبقرة الضاحكة أو أبو الهول , لكننى عندما شاهدت أحداث حصار المرحوم عرفات مع شعبه فى لبنان عام 82 ورأيت على شاشات التلفاز الألمانى مذابح صبرا وشاتيلا  اعترانى الغضب من موقف المتفرج الذى اتخذه الرئيس وتركه للدم الفلسطينى مباحا بهذا الشكل ولم يتخذ أى قرار سوى سحب السفير المصرى من اسرائيل ( بصراحة أحسست بالخجل نيابة عنه وبالأسى لأنى لا أملك شيئا حيال هذا الأمر ) حتى جاءت القشة التى قصمت ظهر البعير وجردت الرئيس من احترامه فى عينى , تلك كانت الانصياع للتبعية الأمريكية ودخول الحرب ضد العراق واراقة الدم العربى باليد العربية , واأسفاه , أين ذلك الموقف من موقف عبد الناصر يوم أرسل بعضا من الجيش المصرى الى العراق لحماية ثورة تموز بقيادة عبد الكريم قاسم , وأين ذلك الموقف من موقف السادات يوم أرسل الطيارين المصريين الى العراق أثناء حربها ضد ايران , باعتقادى أنه لولا انصياع الرئيس مبارك للتبعية الأمريكية ما وافقت أى دولة عربية أخرى على دخول حرب عاصفة الصحراء ضد العراق ولأمكن احتواء الأزمة دبلوماسيا على المستوى العربى ولبقى العراق بقوته رافدا من روافد القوة العربية ولم يصل به الحال الى ماهو عليه الآن من دمار واحتلال وانقسام , وعندما يقف حزب الله وحيدا يقاوم الغطرسة الاسرائيلية ومن خلفها ويقف صاحب القرار فى بلادى موقف المتفرج , وعندما يحاصر عرفات بالدبابات فى مقر رئاسته وتدك أسواره بالقذائف ويقطع عنه الماء والكهرباء , ويقف صاحب القرار فى بلادى موقف من لايعنيه الأمر , ازاء تلك الأمور لا يملك المصرى الا أن يقول الله يرحم عبد الناصر الرجل الذى أرسى دعائم الكرامة العربية فيما هدمها غيره , الله يرحم السادات (حين صدرت بعض التصريحات الأثيوبية بخصوص مياه نهر النيل ) فدوى صوت السادات قائلا : اللى يقطع المياه عن مصر أقطع رقبته ) يالله ماأحلى أن يحس الانسان بقوة بلاده وقوة رئيسها فى مواجهة العدو , صحيح أن الصهاينة سرقوا منه حلاوة نصر اكتوبر , ودنسوا سماء القاهرة برفع رايتهم فيها , وأخيرا نسجوا طريقة موته وحضروا جنازته وهم يبكون , لكن للرجل مواقف لاتنسى فى سبيل الوطن وقد كان قتله عقابا له على خروجه من قافلة الهيمنة الأمريكية , ولو كان الرجل مازال حيا لكانت المواقف حيال صبرا وشاتيلا والعراق ولبنان مختلفة جدا ومتوافقة مع مشاعر الشارع المصرى .أطلت عليك ياسيدى ولكن دعنا نعد الى نقاط مقالك 
1- اننى أتفق معك تماما بأنه لاتوجد أى خطة لدى الحكومة للنهوض بمصر وانما هناك انصياع كامل للأوامر الأمريكية وهذا ما أبقى الرئيس على الكرسى حتى الآن , انه ببساطة يدفع ثمن تواجده على الكرسى من كرامة المصريين ومن قوت أطفالهم وصحتهم , ويبدوا أن عصر الجمهوريات الملكية قادم وأنه يعد العدة لذلك .
2- الأزهر والأقباط 
كانت مفاجأة لى أثناء تواجدى فى ألمانيا عندما علمت بأحداث الزاوية الحمراء , وما أثلج صدرى يومها هو أمر الرئيس السادات بالقاء كل من شيخ الأزهر وبابا الأقباط فى السجن وقال قولته المشهورة " لن أسمح اطلاقا بأن تصبح مصر لبنان أخرى , واشارته الى أن ثقافة العداء بين المسلمين والأقباط مستوردة " فعلا ياسيدى هذه ثقافة مستوردة تغذيها ليس الفرق التبشيرية كما هو ظاهر ولكن تغذيها الصهيونية العالمية التى لاتنضوى تحت أى دين ولا ولاء لها لأى ملة ,أتعجب حين أسمع ما يحدث وما يدور حول هذا الأمر وأتذكر كيف كنا نعيش معا فى سلام مدركين أن الدين لله وأن الوطن للجميع , متذكرا كيف كنا جيرانا فى المساكن وفى المدارس وفى الجامعات وفى العمل , كيف كنا فى الحرب صفا واحدا من أجل مصر , كيف كنا نتزاور ونجامل بعضنا بعضا فى المسرات وفى الأحزان , لكن ياسيدى اختلف الحال الآن فقد وقع الأقباط فريسة للتدخل الأجنبى باسم حقوق الانسان وحماية الأقليات, فى الوقت الذى أصبح فيه شيخ الأزهر موظفا عموميا تابعا للسلطان , وأما الافتاء فقد أصبح مصيبة المصائب منذ أصبح المفتى مفتى السلكان وليس مفتى الدين , وتحت ظروف الانحلال العربى حكاما , وانقياد بعض الشباب الى شيطان التعصب والارهاب بمغريات وايعاز الصهيونية العالمية , وحرص امام المسلمين على الكرسى والمنصب والامتياز تجرأ البابا وغيره على الاسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ولم يجرؤ حاكم عربى واحد على مجرد الاحتجاج , ولى وقفة هنا أتسائل فيها : ألم يكن الراهب بحيرة هو أول من تنبأ بالاسلام ورسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ؟ أليس مذكورا فى انجيل برنامة عن السيد المسيح عليه السلام قوله " سيأتيكم من بعدى رسول اسمه أحمد مكملا لما بين ايديكم فآمنوا به واتبعوه " وبالمناسبة لى هنا صديق مسيحى يعمل طبيبا , جلسنا ذات يوم على شاطئ البحر نتجاذب أطراف الحديث ووجدت الرجل محرجا أن يسدى الى بنصيحة طبية , وكان وقتها من مجموعة الأطباء التى تتولى مراعاة حالتى الصحية حيث انى مريض بارتفاع ضغط الدم والسكرى الذى أدى الى نزيف بشبكية العين , وقد نصحنى الأطباء المسلمون بالصلاة وأنا جالس والابتعاد عن السجود حتى لاينتشر النزيف فى العين , كما أوعزوا الى بألا أصوم أو اذا كنت مصرا على ذلك فيجب ألا أعرض نفسى للعطش الشديد وانه لو حدث ذلك توجب الافطار فورا (كانت نسبة السكر 540 ) المهم وجدت صديقى الطبيب المسيحى يحاول فى كياسة وبطريقة غير مباشرة أن يشير الى ذلك , فتحدثت معه بصراحة وقلت له رأيك الطبى يجب أن يكون صريحا وليس هناك حرج نتيجة اختلاف الأديان ثم تشعب الحديث بعد ذلك ليدخل فى صلب الاديان , تصور ياأخى ماذا قال الطبيب المسيحى ؟ قال والله لو أن المسحيين يعلمون عن دينهم المسيحى كما تعلم انت لكانت الدنيا بخير ولكانوا أفضل حالا , لكن المصيبة انهم برغم التعصب يجهلون دينهم وهنا المأساة .
3- التعليم حدث ولا حرج عن انحدار مستواه وعدم تواجد خطة تعليمية وياحبذا لو انهم اتبعوا النهج الألمانى
4- اذا لم تكن هناك ضرورة للتجنيد فهناك طريقة أفضل ( معمول بها فى ليبيا حيث لاتتبع نظام الجيش النظامى وانما الدفاع عن الوطن مسؤلية كل مواطن ومواطنة وعلى ذلك فهناك نظام المناوبة مع تدريب الجميع على السلاح الزاميا ) هذه الطريقة تسمى الخدمة العامة وفيها يكلف الخريج سواء كان طبيبا أو مهندسا أو معلما أو غيره يكلف بأداء العمل لفترة معينة بأجر رمزى .
5- الزراعة رحم الله من أنشأ مديرية التحرير , والوادى الجديد فى قلب الصحراء , ومن كان يهتم بزراعة القطن كمصدر للثروة الوطنية ، ولا أريد أن اسهب فى هذا الموضوع لما فيه من فضائح يندى لها جبين الحاكم لو كان لديه شعور بالمواطنة ويكفى هنا أن أردد عليكم مقولة شهيرة للعقيد معمر القذافى يقول فيها " لا استقلال لشعب يأكل من خارج حدوده " والمعنى واضح لكل من له عقل , " أفلا يعقلون ". 
معذرة أخى مشالى على الاطالة , ومعذرة مرة أخرى على نشر التعليق بهذه الصورة وما الهدف الا أن تيشارك معنا فى الموضوع أكبر عدد ممكن من القراء , ولست أطالبهم بالتعليق , من أراد فأهلا ومن أحجم فأهلا , المهم المشاركة .
دمت ياصديقى وشكرا.
المهندس/محمودسالم  

هل مات محمود درويش؟

هل مات محمود درويش ؟
وتفقد الكلمات فارسا آخر من فرسانها
وتفقد قافلة الشعر واحدا من حدائها
فهل فعلا مات شاعر الأرض المحتلة ؟
وكيف يموت من هو باق فى الوجدان وفى الذاكرة؟
عندما أعود واستحضر الذاكرة لتخبرنى عن محمود درويش أجدها تخبرنى كيف أن محمود تنبأ بطريقة موته فى جداريته التى اقتطف منها هذه الأبيات :
يقول محمود درويش :
أيها الموت ...  انتظرنى خارج الأرض
لم يعد أحد من الموتى ليخبرنا الحقيقة
أيها الموت .... انتظرنى فى بلادك
ريثما أنهى حديثا عابرا
مع ماتبقى من حياتى
قرب خيمتك
انتظرنى
ريثما أنهى تدابير الجنازة
فى الربيع الهش
--------
ليس من كلمات أستطيع أن أعلق بها , لقد رحل الرجل
عليه رحمة الله , عاش رجلا ورحل رجلا , عاش شامخا فوق المعاناة وفوق الاحتلال وفوق السجون
رفض الرضوخ ورفض الركوع فى زمن الانحناء
فقدم استقالته من فتح عقب توقيع اتفاقيات أوسلو
عاش يغنى للوطن ورحل عاشقا للوطن وترك لنا
معاناته وعذاباته وحبه واشتياقه فوق الورق , لم
يستطع السجن أن يفصله عنا أو يفصلنا عنه , كانت دائما كتاباته وقصائده تعرف كيف تنتصر على السجان الاسرائيلى لتصل الينا , فلم يستطع السجن ولا العذاب أن يكتم صوته , تماما كما الموت الذى لن يستطع أن يمحوه من ذاكرتنا أو من ذاكرة الوطن , اللهم اشمله برحمتك وأنزله فى جنتك واغفر له والهم آله الصبر.
الى كل فلسطينى
الى تراب الأرض المحتلة
الى أبطال الحجارة
الى كل الثوار من أجل الكرامة
اليهم جميعا أقدم التعازى  فى رحيل الشاعر الثائر
والى روحه الطاهرة أقول أنك محفور فى ذاكرتنا كما انت محفور فى ذاكرة الوطن , انا لله وانا اليه راجعون.
محمود سالم

يوميات العشاق الفقراء

فى عام 1985 صدر للشاعر العراقى عبد الوهاب البياتى الطبعة الثالثة من ديوانه " على بوابات العالم السبع " أنقل اليكم منه هذه القصيدة التى تحمل عنوان :
يوميات العشاق الفقراء
 
 
نغتصب العالم بالشعر وبالثورة والوعيد
والموت والرحيل
نسقط اعياء على ارصفة التاريخ
نذبل فى مناجم الفحم وفى أقبية الجليد
نموت واقفين
نموت فى غربتنا , لكننا نولد من جديد
من رحم الليل ومن لحم جبال الأرض
متوجين بعذاب الرفض
وحاملين صولجان الشمس
نغتصب الفجر بليل العالم الطويل
نبحر ميتين
لمدن المستقبل البعيد
نرفع فيها راية العصيان
نموت فى سجونها أحياء
نصنع للتاريخ كبرياء
***
جراحنا كفت عن الصراخ
مدينة صارت ونهرا باحثا فى رحلة الموت عن الضفاف
وحجرا أسود فى مملكة الخرائب
تغسله الأمطار
وأملا يقبع فى ضفاف يأس البشر الفانين
وغجريا يذرع الأرض على حصانه الحزين
بحثا عن النور وعن عائشة فى مدن المستقبل البعيد
يموت فى غربته , لكنه يولد من جديد
طفلا بلا حصان
يمد - مرعوبا من النهار والليل ومن تعاقب الفصول والأزمان -
يدا الى لحم حبال الأرض
وعريها النائم فى خيمة نار الشرق
والغسق المطفأ فوق قمم الجبال والسطوح
وصوتها المبحوح
ينفخ صدر سفن البحارة الموتى وأعشاب كهوف النور
وجزر الياقوت
***
لعندليب قمر البكاء
للزمن الذى يفر هاربا وينقش الأسماء
فى حجر النار على دفاتر الطفولة الزرقاء
للأمل القبور
لثورة الأنهار فى غربتها ووحشة الجسور
نبحر ميتين
من مرفأ لمرفأ نهيم
ونحرق السفن
فكل ما كان وما يكون : لم يكن
***
أحسست أن الأرض غطت وجهها بالنور
ووقع المحذور
فيده امتدت الى حديقتى وأحرقت فى نارها الورود
وأيقظت من نومها الطيور
وقطرات المطر الأحمر والزلزال والبروق
***
مجوس هذا العصر فى غربتهم يبكون
لم يظهر النجم ولكن ظهر السادة واللصوص
وشعراء الحلم المأجور
وأغمدوا سيوفهم فى جثث الأطفال
وفقراء المدن الجياع
وحرفوا شهادات الأموات
والكتب المقدسة
***
من أين يأتى النور ؟
ونحن فى كل العصور حجر الطاحون
نستبدل الأغلال بالأغلال فى الطابور
يبيعنا الطغاة للطغاة والملوك للملوك
لكننا نظل صامدين
نموت وافقين
نبحر واقفين
لمدن المستقبل البعيد
نغتصب العالم بالموت وبالثورة والرحيل
نموت فى غربتنا , لكننا نولد من جديد
نحب من جديد
نرفض من جديد
نثور من جديد
نسقط فى حبائل الملوك والطغاة من جديد
نذبح فى ساحات حرب الآخرين , نطلق النار
على الأخوة والأعداء
نحمل جرحانا على جباهنا وندفن الأموات
بلا تواريخ ولا أسماء
نقيم فى قبورهم أحياء
نستأنف المسيرة الكبرى من الموت الى الميلاد
نظل فى كل عصور البؤس والضياء
معلقين بخيوط الأمل السوداء
منتظرين النار والطوفان
***
 يافقراء العالم المنهوب
اتحدوا
يافقراء العالم المنهوب
======
الى هنا تنتهى قصيدة الشاعر عبد الوهاب البياتى
فمن هو البياتى؟
عبد الوهاب البياتى من مواليد بغداد 1926
تخرج فى دار المعلمين عام 1950 وعمل مدرسا بالثانوى
صدر ديوانه الأول ( ملائكة وشياطين ) عام 1950 وتوالت أعماله بعد ذلك
عمل فى مجلة الثقافة الجديدة  , ثم فصل منها وتم اعتقاله عام 1954
ترك العراق الى سوريا ثم لبنان واستقر فى مصر
عاد الى العراق عام 1958 مديرا للتأليف والترجمة والنشر بوزارة المعارف العراقية
عمل مستشارا ثقافيا بمدريد
مثل العراق فى أكثر من مهرجان شعرى دولى
****
أرجو أن أكون قد وفقت باختيار القصيدة والتعريف بشاعر عربى ... شكرا لكم .  محمود سالم
 

وجع الغربة

وجع الغربة
كان وقت الأصيل , كنت جالسا فى شرفة منزلى المطل على البحر أرنو اليها وهى تهبط رويدا رويدا لتغسل أشعتها الذهبية فى نهايات البحر البعيدة عن عيون المصطافين على الشاطئ الذين بدءوا يلملمون أغراضهم للرحيل , أمامى كوب من القهوة السوداء - ضاربا عرض الحائط بأوامر كل الأطباء - انحنيت لألتقط علبة التبغ مشعل لفافة من سابقتها وعندما انتهيت رفعت رأسى لآجده واقفا قبالتى داخل شرفتى يرمقنى بنظرات حزينة وبدا كما لو كان يبغى الحديث معى ... كان شابا يافعا تبدو على ملامحه آثار عز غابر لكنه يبدو مرهقا وحزينا كان يناهز السبعة آلاف عام من العمر أو أكثر , حدجنى بنظرة غاضبة لكنه لم يهمس ببنت شفه , عرفته لأول وهلة , انتظرت أن يبادرنى الحديث , لكنه لم يفعل وظل يرمقنى بتلك النظرة الغاضبة
ارتفع معدل السكر وضغط الدم عندى وصرخت فى وجهه :
- لماذا ياوطنى لا تغادرنى كى أرتاح؟
- وهل تعتقد ذلك ؟
-لماذا ياوطنى ترهقنى؟ لماذا تصر أن أحملك أينما ذهبت , وأينما ابتعدت ؟لقد تعبت منك ياوطنى فغادرنى لو سمحت كى أستمتع بما بقى من حياتى .
- هل تعتقد ذلك ؟
-لماذا يا وطنى تصر أن تتسلل تحت جلدى ؟ لماذا ترفض أن تغادر عروقى ؟ لماذا ترهقنى؟ أنا قد ذهبت بعيدا عنك .. تركتك .. فلماذا تطاردنى ؟ اليك عنى يا وطن .. اليك عنى فلم تعد وطنى .. قد صرت وطنا للمستغلين , قد صرت وطنا للصوص وللمقامرين , قد صرت وطنا لمصاصى الدماء , لأصحاب الكروش اليك عنى ياوطن.
-هل تعتقد ذلك ؟
- اسمع ياوطنى , ماذا تريد بالضبط منى , لم يعد عندى ما أعطيه لك فلاتلاحقنى .
-هل تعتقد ذلك ؟
-صبرنى ياربى .. اسمع ياوطنى .. لقد منحتك دمائى , ومنحتك شبابى , ومنحتك اخلاصى , لكنك أخذت كل شئ وبخلت على فما أعطيتنى شيئا و...
قاطعنى الوطن بصوت محتد كمن فرغ صبره :
-يكفى أنى أعطيتك حياتك , اسمك , هويتك , انتماؤك ...
قاطعته بدورى محتدا عليه :
- بل أعطيتنى لقبا باليا لم يعد له أى معنى , ولم يجلب لى أى شئ سوى الذكرى .. أنت ياوطنى أعطيتنى لقب ( من أبطال حرب أكتوبر ) وقبلها فى عام1969 أعطيتنى وسام الشجاعة عن تلك المعركة التى استشهد فيها الشهيد / عبد المنعم رياض , ولكن ماقيمة هذا الوسام وما قيمة هذا اللقب ؟ أنا لم أحصل على شئ مادى ملموس , وعندما كنت ملتهيا عن نفسى بالحرب من أجلك وبالدفاع عنك تكاثر اللصوص فى غيابى ونهبوا كل شئ وعندما انتهت الحرب وجدت نفسى ورفاق السلاح أعضاء بالقوة فى حزب المعدمين المطحونين .
-ألا يكفيك فخرا أنك من أبطال الحرب ؟
- تلك قد صارت عملة بلا قيمة ولاقوة شرائية , ثم أخبرنى ياوطن أى قيمة لهذه البطولة الآن بعدما داسوها بالأقدام وانتهكوها فاستشهدت ولحقت بمن راحوا من رفاق السلاح؟
-بل أنت باق ما بقيت أنا
-ياوطنى ... ياوطنى .. حاول أن تفهمنى بطولتى ضاعت وراحت يوم رفرفت راية اسرائيل فى سماءك .
- آه  آخ
- مابك ياوطنى ؟
-أرجوك ياولدى .. لاتذكرنى .. لاتثر آلامى .. انى أحاول أن أنسى تلك السكين
المغروسة فى خاصرتى .. أحاول أن أغطى بقعة القذارة التى لطخت وجهى وشوهت جمالى , لمذا ياولدى ؟ لماذا تثير آلامى وتنكأ جروحى , لماذا أنت تتحدث فيما صمت الباقون ؟ ياطويل اللسان ياوقح , انك حقا ولد عاق , اذهب أينما شئت , ابحث عن وطن آخر لو تستطيع .. أما أنا فباق هنا فى مكانى من آلاف السنين .. ثم من تحسب نفسك أنت ماأنت بالنسبة لى سوى حبة رمل فى قاع المحيط .
- غادرنى اذن .. اتركنى كى يقبل بى وطن آخر .
- أيها المعتوه , لاوطن آخر سوف يقبلك .. أنت مصرى .. وسوف تبقى كذلك حتى موتك .. وحتى لو قبلك وطن آخر .. من تظن نفسك سوف تكون ؟ لن تكون سوى مواطنا من الدرجة الأخيرة  ستكون مستوطنا ولن تكون مواطنا هل تفهم الفرق ياولدى ياله من فارق كبير شئ آخر .. كيف تتوقع أن يعاملك الوطن الجديد ؟ سوف يمتصك ولن يعطيك وسيبقى أهله مهما أبدوا لك من مودة واحترام , سوف يبقونك خلف حاجز دونهم , لن تكون أبدا منهم .. سيقولون جاء المصرى , ذهب المصرى , فعل المصرى ,قال المصرى , أرأيت .. سوف أبقى بداخلك وعن يمينك وعن يسارك فى نومك فى صحوك لن تستطع أن تمحونى لامن ذاكرتك ولا من واقعك  .. أنت مصرى ولن تستطع أن تغير جلدك ..فقط وحدها الثعابين من تجيد تغيير الجلود.. أنت مصرى وأنا الدماء التى تسرى فى عروقك .. لو غادرتك فأنت ميت .. وأنا لاأريدك أن تموت.. أنت ولدى فكيف أرضى بأن تموت ؟
- رجاء.. اتركنى أموت .. ربما كان ذلك أفضل من معاناتى .
-قرار الموت ليس قرارك هذا أولا وثانيا أراك تعاتبنى وانت المخطئ .
-أنا .. أنا مخطئ .. كيف تتهمنى بذلك ؟
- ابتعدت عنى .. تركتنى وحيدا بين أنياب الذئاب .
- أنا ؟
- من غيرك ؟ لست أنا من ركب الطائرة وابتعد ..أنا باق فى مكانى وليست لى أقدام , لكنك من فعل .
- آه منك ياوطنى المتعب
- آه منك ياولدى الجاحد
- عدت لاتهامى
- أنت بابتعادك عنى دوما متهم , عد الى ياولدى , ارم بنفسك فى أحضانى , لطالما أعطيتك , أعطيتك كثيرا , وأنت الآن تعطى لغيرى , سدد ديونك لى أيها الجاحد .
- من؟ أنا ؟ أأنا مدين لك ؟
-بكل تأكيد
- كيف ؟ أنا أعطيتك دمائى .. وان كنت قد نسيت فاسأل جبال السويس .. أنا أعطيتك شبابى  فهل تذكر كيف حرمت من الحب لأجلك ؟ هل تذكر كم من الحب رفضت لأنه لم يكن عندى أمل أن أعود حيا من الجبهة ولم أستسغ أن اربط مستقبل فتاة برجل يواجه الموت على مدار الساعة ولا يوقن بالنجاة , من أجل عينيك ياوطن رفضت الحب فى زمن الحب ولم أقبل أن تشاركنى فى حبك امرأة ولا ولد  , رفضت أن ألتهى عنك بالحب حتى فات وقت الحب وارتحل وترك لى رسالة عبر الشيب فى شعرى تقول بأنه قد رحل ولن يعود وأنه عبثا لو أحاول البحث عنه فلن يعود ..عوضى عندك ياربى .
- أنت لم تعطنى كثيرا , ماذا تعتقد أنك أعطيتنى ؟ بعض من دماك ؟ أتعيرنى بذلك وأنا من أعطيتك كل دماك ؟ أتعيرنى ببعض الحب  وأنا من علمك الحب .. ابتعد .. ابتعد عنى كيفما شئت .. لم أعد أريدك .. عوضى عند الله .. سيأتى من بعدك جيل يسعدنى .. ينظف وجهى .. يغسل عنى أدرانى .
- لا .. لاياوطنى أنا لاأقصد أن....
قاطعنى :
- اسمع ياولدى .. هذا آخر كلام عندى .. أنا الوطن .. أنت بعضى .. لكن أنا كلك .. وأنا باق هنا من سبعة آلاف عام مضت من قبل مجيئك وسأبقى من بعد رحيلك , كم وطأ أرضى من أغراب وغزاة , كلهم زالوا وبقيت انا شامخ على مر العصور , لو كنت تقرأ التاريخ ياولدى فأنا من داسته أقدام الطغاة أنا من احتله الهكسوس والرومان ورحلوا .. أنا من احتله الأتراك ورحلوا .. أنا من احتله الفرنسيس ورحلوا .. أنا من احتله الانجليز ورحلوا
- ماهذا ياوطن هل قضيت عمرك كله تحت الاحتلال ؟
-لاياولدى .. تلك فترات المرض كتلك الراية التى تحثت عنها قبل قليل فالأوطان تمرض كما يمرض الانسان وتعود فتتعافى وتسترد صحتها وكونى مريض فتلك ليست نهاية الزمان أنا هنا باق لا أموت .. زينت صدرى بالأوسمة
زينت صدرى بأسماء رمسيس ومينا , زينت صدرى بأسماء عمرو بن العاص وجوهر الصقلى وصلاح الدين الأيوبى ,زينت صدرى بابن لقمان وسيف الدين قطز وبالظاهر بيبرس , زينت صدرى بأحمد عرابى ومصطفى كامل والبارودى وسعد زغلزل زينت صدرى بجمال عبد الناصر , زينت صدرى بأبطال التحرير فى حرب أكتوبر وأنت تعلم أنك واحد منهم , لكنك الآن أيها الوقح , ياحبة الرمل فى قاع المحيط تناقشنى, لقد سمحت لك  بذلك لبعض الوقت ..فقط لكى أسرى عنك فى غربتك .. لكن تلك الغربة أنت من اخنارها ولست أنا .. رحلت عنى .. لكنى لن أرحل عنك .. فارقتنى .. هجرتنى .. لكنى لن أفارقك ولن أهجرك ( كبدى على ولدى انفطر وكبد ولدى على حجر ) .. أنت ولدى أنت قطعة منى .. أنا لست وطنا للصوص كما تقول  .. أولئك شأنهم شأن الاحتلال .. عد الى .. عد الى ياولدى .. ودافع عنى دافع ضد من سرقونى منك أو سرقوك منى .. دافع ضد الغاصبين , لقد كان أبوك وأجدادك أفضل منك .. لم يتركونى لحظة فى أوقات محنتى .. دفعوا حياتهم وهم يذودون عنى .. عد الى ياولدى .. انى أناديك فهل تسمعنى ؟ أنا مصر أنا مصر أنا وطنك .. أنا أمك  أنا أنت .. لو كنت صادقا ياولدى ارجع الى .. حررنى من عصابات اللصوص .. ابذل دماك من أجلى مرة أخرى كما بذلتها قبلا فى السويس , هل تذكر ياولدى أغانيكم فى ذلك الوقت ؟ أنا مازلت أذكرها ( يابيوت السويس يا بيوت مدينتى استشهد تحتك وتعيشى انت يابيوت السويس ) ماكان أعظمكم ما كان أروعكم وما زلت حتى الآن أذكركم وافتخر بكم , ارجع الى ياولدى أسقط من سمائى تلك الراية القذرة , أعد لسمائى طهاتها وارفع رايتى عاليا كما فعلت من قبل مع رفاقك .
- لكن ياوطنى .. قد صار لى فى المنفى حياة , صار لى أسرة , صار لى كيان وموقع وأملاك .
-كل هذا هراء .. مكانك هنا .. أملاكك هنا قيمتك الحقيقية هنا , رفاق طفولتك هنا , رفاقك فى السلاح هنا , رفاق الدراسة هنا , رفاق الصبا هنا , لاتكن واهما ياولدى , كل ما عندك فى المنفى وهم فى وهم , وما يبنى على الوهم فهو وهم , ليس فى المنفى حياة  , قد أوافقك على البقاء فى المنفى لفترة , ولكن ليس للأبد ياولدى , ارجع ارجع ارجع عد الى صدر أمك , انى أعطيك الفرصة كى تختار , كى تتخذ قرارك , كى لاتدفن غريبا , كى تكون رفاتك بعد موتك بجانب أبيك وأجدادك  , أشفق عليك ياولدى أن تأكلك نار الغربة حيا ثم ميتا , فكر ..فكر..فكر .. ان كسرة خبز وقطعة جبن فى وطنك خير لك ألف مرة وأشهى من طبق الكباب وديك الرومى فى المنفى  أنت كما تقول قد عشت طويلا وحصلت على أشياء كثيرة لم أوفرها لك لكنى سأسألك سؤالا واحدا : هل أحسست يوما بالأمان ؟
- لا
- اذن فالقرار قرارك .. لكن لاتطالبنى بالرحيل .. فسأبقى بداخلك وشما مرسوما فوق حدقات عيونك أنا الوطن أنا الأول أنا الآخر أنا الباقى أنا الآتى وأنت بدونى لاشئ لاشئ لاشئ سراب أو شبح أنا وأنا وحدى من يحدد معالمك أنا الوطن أنا الوطن أنا الوطن أ....
رجعت من تجوالى الفكرى على صوت زوجتى تنبهنى ان قهوتى قد بردت وتسالنى عن سر شرودى .. قلت لها انه الوطن فأجابت : معك ألف حق فلو لم يكن لك خير فى وطنك لن يكون لك خير فى أسرتك , أنا أيضا كما تعلم قد تذوقت الاغتراب وقت الدراسة وأعلم كم يكون الشوق الى الوطن .
*** محمود سالم 
 


<<الصفحة الرئيسية