قد أكون منبهرا بشخصيته , نعم هذا صحيح , لكننى لم يسبق لى أن التقيته شخصيا سوى مرتين بطريق الصدفة حيث كان يوم عطلة وكنت وزوجتى وطفاتى الصغيرة على شاطئ بحيرة " تاورغا " نلهو بصيد السمك وتصادف أن كان مارا فى رحلة تفقدية وكان يقود السيارة الكروزر , لم انتبه الا وهو ينظر الينا من نافذة سيارته ويبتسم , فناديته مرحبا " تفضل نشوى لك سمك " ابتسم الرجل وشكرنى ومضى فى سبيله ( ربما كان توقفه ونظرته الى تحمل معنى " يابختك .. نفسى أتصرف بعفوية وحرية مثلك " ) , المرة الثانية كانت على الطريق من بنغازى الى مصراته وكان المكان صحراويا بعد الخروج من حدود مدينة بن جواد كنا تقريبا فى عام 1994 وكانت سيارتى ستروين 88 وحدث ان تلف احد اطارات السيارة ولسوء الحظ اكتشفت تلف الاطار الاحتياطى , ولكونى على طريق صحراوى ومعى أسة وأطفال فقد قررت أن أستثمر مميزات السيارة وأقودها بثلاث اطارات فقط , وقد كان ذلك , وكانت الصدفة مروره فى الاتجاه المعاكس , لم يكن يقود السيارة فى هذه المرة ولكن السيارة أبطأت سيرها وظل هو ملتفتا الى سيارتى فيما زدت أنا من سرعتى وكأنما لسان حاله كان يقول هل ترغب فى المساعدة , لكننى كنت أفر ابتعادا عنه لخجلى من رؤيته لى أقود سيارة بهذه الطريقة , هذه حدود معرفتى بالرجل , لكننى كونت عنه فكرة جيدة من خلال أطروحاته وأفكاره واكتشافى أنه وجه الثورة النظيف أما المفسدون فآخرون وقد بدأ الانتباه اليهم والحمد لله وبدأت الأمور تسير على الدرب الصحيح
الاحد, 31 اغسطس, 2008
الاحد, 31 اغسطس, 2008
الاحد, 31 اغسطس, 2008
الاربعاء, 13 اغسطس, 2008
الجمعة, 29 اغسطس, 2008
وطني ليس حقيبة
مهداة إلى روح الشاعر الكبير محمود درويش

أنا أعلمُ جيداً يا سيدي
أن القصيدَ و نُظمِه
إن مسَّ طرفكَ
أو تطاولَ
أو أراد تقرباً
من ذرِّ شِعركَ
لن يُضيفَ جديداً
لكنهُ...
ألَمُ الفراقِ و لَوعتي
لقصيدةٍ مكلومةٍ...
لسلاسلِ الذهبِ
التي .. نَبضَت بأطلالِ القبورِ
وَريدا..
......
محمود.. موتُك قد أذاقَ الموتَ
عَلقمَ مَوتِه..
و أذاقَنا مُرَّ الفُراقِ لقامةٍ
أنَّى يجودُ بِها تاريخُنا المَؤودَ
......
محمود .. أنتَ علامةٌ
بل أنتَ بانِي في رُكامِ هَزائمٍ
أركانَ (جِداريةٍ)...
و نُقُوشَ آمالٍ ... و مرثَى أمَّةٍ
عشِقَت ...و شَبّت ثم ماتَت
تحت أقدامِ الذين خَبِرتَهم
و نشبتَ شِعركَ في رمادِ وجُوهِهم...
.....
محمود ... أنتَ هزيمةُ الموتِ
الذي يسطو علَى الأفواهِ
يعلنُ كلّ حينٍ
في ( إنتشاءٍ)! شِعارهُ المحْمُومِ ..
صمتاً ثم صمتاً ثم صمتاً ؟
ليُجيبَ (إبْراهيمُ)* ...
(لستُ بمَيتٍ ... إنما الصمْتُ
شيمةُ للجمَادِ..)
....
فأمطِر قَصَائِدَك العَنيدة لم تمت ..
رغم الغياب
فإنَّنَا... نقْتَاتُ مِمَّا قُلت
نَعتصِرُ الظَلامَ.. و نَحلِبُ
الفَجرَ العَصيّ
و نبحثُ عَن خلاص ....
نبحث عن خلاص...
الجمعة, 29 اغسطس, 2008
|
اتهام الحكومة المصرية ببيع لحوم الحمير | |
|
| |
|
وجه نائب فى مجلس الشعب المصرى (البرلمان) انتقادات حادة إلى الحكومة، بعد تصدير كميات هائلة من جلود الحمير الى الصين، من دون لحومها، مشككاً فى أن هذه اللحوم "تم بيعها الى الشعب المصري". ففي بيان عاجل تقدّم به إلى البرلمان المصري، مرفقاً بمستندات رسمية من وزارة الزراعة، الثلاثاء 12-8-2008، قال النائب المعارض حمدى حسن إن وزارة الزراعة وافقت مؤخرا على تصدير 7300 قطعة جلد حمار للصين خلال 3 شهور، تلاها تصدير 4600 قطعة اخرى في أقل من شهر، "كما تم تصدير 2700 قطعة يوم 21-1- 2008 و2300 قطعة في 6-3-2008، وبعدها بأقل من شهر تم تصدير نفس الكمية"، بحسب ما يشير حسن. واعتبر النائب انه "من الطبيعى تفهم طبيعة الشعب الصيني، الذي يأكل لحوم الحمير والقطط والكلاب، كما من الطبيعي تفهم ان الصين تنظم حاليا دورة الالعاب الأولمبية، وقد تكون في حاجة ماسة لهذه اللحوم، كما قد تكون فى حاجة ايضا الى جلودها من أجل التصنيع، أما ما لا يمكن فهمه، فهو أن تستورد الصين هذا الكم الهائل من جلود الحمير دون لحومها"، متسائلا "أين ذهبت هذه اللحوم؟". واعتبر النائب المعارض، في حديثه لـ "العربية.نت"، أن هذه الافعال "تعتبر جريمة جديدة فى حق الشعب المصري، من قبل حكومة الحزب الوطنى الديمقراطى الحاكم، خاصة وأنه فى نفس فترات تصدير جلود الحمير الى الصين، انتشرت ظاهرة بيع لحوم الحمير فى محلات الجزارة دون ان يعرف المواطنون شيئا عن طبيعتها". يذكر أنه عقب آخر عملية تصدير جلود الحمير الى الصين، تم الحكم على 3 جزارين بتهمة بيع لحوم الحمير بالحبس وغرامة 30 الف جنية، حيث اعترفوا ببيعهم لحوم الحمير والحيوانات النافقة في العاصمة المصرية وضواحيها، مشيرين إلى أن تعاملاتهم امتدت إلى المطاعم الشهيرة، والفنادق الكبرى، ما مكّنهم من تحقيق أرباح طائلة. وقال المتهمون، خلال مثولهم أمام المحكمة في ابريل الماضي، إن دافعهم كان "تأدية خدمة كبيرة للفقراء والمحرومين" بتذوق اللحوم، ببيع الكيلو الواحد بـ5 جنيهات فقط (أقل من دولار واحد)، مشيرين إلى أنهم كانوا يشعرون بـ"الرضا وراحة الضمير" عندما يرون السعادة على وجوه زبائنهم الفقراء. | |
| 14/8/2008 | |
الجمعة, 29 اغسطس, 2008
|
مازلنا فى مطالعة لجريدة جليانا لننقل منها اليكم القصيدة التالية للشاعر العراقى / عذاب الركابى بعنوان الى محمود درويش |
|
. لا أحدَ يُشبهُك َ ..، ولا تُشبهُ أحدا ًفي العشق ِ ، وفي الشّعر ِ ، ولا في الموت ِ !! . هذا الصّباح ُ حزينٌ ..ثقيلْ بغير ِ رائحة ِ قهوتِك َ ، وخشخشة ِ جريدتِك َ ، وندى شباكِك َ الفستقيّ !! . ليسَ في إمكاننا إخفاء َ حُبّك َ ، يا قمرَ المنفى ، ولا في إمكانِكَ تأجيلَ الرحيلْ !! . أهوَ (( وزنٌ )) جديدٌ لهمّك َ العاصف ِ !؟ أأنتَ الذي صُغت َ (( قافيتهُ)) الصّعبة َ !؟ أمْ أنّها (( تفعيلة ُ)) وقتِنا الانتهازيّ !؟ أمْ هوَ آخرُ هبات ِ اللهْ لكَ ، يا ضميرَ الأرض ِ ، ويا طفلَ الحياهْ !؟ . هذي فلسطينُ .. مُلهمتُكَ الإلهية ُ نصفُك َ الآخرُ ، النابضُ بزلزال ِ التشكّل ِ والتواجد ِ ،
هذا زمنُك ُ المُبدّد ُ في هواء ِ العواصم ِ ، من زمنِها المهدور ِ ، بالاعتراف ِ المُزخرف ِ ، والحوار ِ المُبرمج ِ ، والموت ِ المُبيّت ِ ، والانقسامات ِ ، والهزائمْ ، وهذا اسمُك َ الحركيّ ، هوَ بعض ِ ظلّها الليلكي ّ - قرآن ُ أمّك َ المُرتّل ُ بصوت ِ الزمانْ ، عنوانُكَ الدائم ُ ..في اللامكان ْ !! . نعرفُ .. !! أنّك َ لمْ تعُدْ تحتملُ عصرَنا المُهادن َ ، ولا أسلوبَ عيشنا الفقيرْ ، فكتبت َ نصّك َ الجارح َ الأخيرْ !! . هكذا فجأة ً..، تحجز ُ تذكرة َ البُعد ِ ، تضاعف ُ حزننَا الأزليّ ، وتبدّل ُ دفء َ التحيات ِ ، وخمر َ المواعيد ِ ، بثلج ِ الغيابْ !! . كنت َ تراهِن ُ على العشق ِ ، والشّعر ِ ، وروعة ِ الأوطانْ فهلْ ربحت َ الرِهانْ ! ؟
. أعظم ُ الحُبّ .. في اللاحُبْ ، وأجملُ اللقاء ِ .. في اللالقاءْ ، وأبلغ ُ الكلام ِ ..بلا كلامْ ، وبينهمُ لغة ٌ كونيّة ٌ تطيلُ أبجديتَها عواصف ُ القصيدةْ !! . تنتظرنا القصيدة ُ في اللامكانْ ، ويعيش ُ الشاعرُ – العاشق ُ ، في اللازمانْ !! . حضورُك َ .. ، قرنفلة ُ وقتنا الشعريّ ، وغيابُك َ .. حضورنا الباهت ُ في دفتر ِ الأيّام ِ العسيرةْ !! . مُدهش ٌ .. ، في لونِك َ الشعريّ ، في لغة ِ العشق ِ ، وفي بلاغة ِ الانتماءْ !! فكيفَ نقولُ : وداعا ً !! والشعراءْ ، تكتَبُ القصائد ُ عندهُم بأدمع ِ اللقاءْ !! عذاب الركابي شاعر وكاتب عراقي |
الخميس, 28 اغسطس, 2008
|
|
![]() كتبَ الوترْ .. عزفَ الوترْ
سكتَ الوترْ
هذا الفتى القرشيُّ يأكلُ من كتابتهِ السهرْ
هذا الفتى القرشيُّ يرعى
من مواسمهِ المطرْ
( قد مات ) ....
ويحك يا فمي !!
أتقول ماتَ بلا حذرْ
أتقول غادرنا صباحاً
دون أن تعطي الصباحَ ظلال حزنٍ أو كدرْ
أتقول مملكة العيون مساؤه
ورياحهُ عبرتْ
وما قلتَ انحنى للريحِ
ما قلتَ انتصرْ
لِـمَ لا تقول بأنه آخى ترابَ الأرضِ
أو قلْ أنه
قد غابَ كي يأتي لنا يوما بأوراقِ القمرْ
لِـمَ لا ترققُ من حديثك مرةً
قل عنه لملمَ حزمةً من نور
كي يهدي السراةَ إلى دهاليزِ السحرْ
قلْ عنه لملمَ آخر الأوراقِ
كي يملي قصيدتهُ ويكتبَ
أو لنكتبَ عن حكايتهِ إلى كل البشرْ
قلْ ما تشاء سوى الذي قد قلتَ ماتَ ..
وغابَ عنا ..
وهْوَ لما غابتْ الدنيا جميعاً قد حضرْ
قلْ ما تشاء سوى الوداعِ ونارهِ
فهو الذي بالحبِّ علمنا اللقاءَ ودفئهُ
وهو الذي صافى ووافى وابتكرْ
صِفْ عُنفَ رقَـتهُ
وُقلْ ما كنتَ تدري يا فمي
كيفَ استماتَ على خبرْ
يأتي من الجولان و الأقصى
ومن بيروت شاهدةُ الأثرْ
وبأنه يوما تمادى أن يشيلَ الظلَّ
لامسَ ظلهُ يوماً بعنفٍ فانكسرْ
قُلْ مرةً
قد همَّ يعبرُ زهرةً في الحقلِ تشبههُ
وكانتْ زهرةُ البستانِ في لون المنى
لما رآها قد عثرْ
هي قصةٌ للريحِ في فمهِ
وقصةُ جارهِ بعدوهِ حين انحنى للريحِ كي تمضي
تنحنحَ وانتحرْ
ما كان ندَّا أو أخا ندٍ لصوتِ الريحِ مُذْ جاءتْ
تناسى هامةً في الأفقِ ترصدُ ما ستأخذه الرياحُ من الشجرْ
ومضى يسبِّحُ باسم من زرعوا المماتَ
ويلعنِ الموتى ويجهرُ في عداوتهِ
ويؤمنُ بالقضاءِ وبالقدرْ
قلْ عنه ليس كجارهِ
إن شئتَ صفْ أشياءه الأخرى
فلم يتركْ حصاناً واقفاً لم ينتظرْ
لا ينتمي للزعتر البري إلا عاشقٌ ليدين من حجرٍ أحبَّ
(لأحمد المنسيِّ بين فراشتينِ)
لأحمد المزروع حباً بالحجرْ
حاصرْ حصاركْ بالحجرْ
قمْ يا فمي ولتختصرْ جدلاً
ولا تسهبْ لنا كي لا نرى صدرَ الأحبةِ ينفطرْ
*****
كان الفتى القرشيُّ يعرفُ عن مساوئنا
ويكتبُ عن محاسننا
ويربكه جوادُ الحرفِ ، يلجمهُ فيصهلُ
ثم يلجمهُ ليبتدعَ القصيدَ ويختصرْ
هذا الفتى المضريُّ جاورنا سنينَ القحطِ
واعتادتْ حرائقنا على ما يشتهيهِ من السيرْ
هذا الفتى المحمودُ درويشٌ بطيبتهِ
لذا أسماه والده بمحمود العذاب المنتظرْ
بالحبِّ صورنا على أعصابِ دفترهِ
وحاذرَ أن يبددنا بمسرحهِ الكدرْ
قد خفّ من عشقٍ وخفّ من الهوى
وأذابَ جمراً بين أضلعهِ وكابرَ واستترْ
كي لا يمرَّ على مواسمنا الشررْ
هذا الفتى القرشيُّ يمضغهُ الضجرْ
وتنام فوقَ جفونهِ
زُمرٌ من الأحزان تتبعها زُمرْ
*****
أنا لا أرى نخلاً بسيرتهِ
أرى الزيتونَ منتبهاً لغربتهِ
وألمحُ فرحةً كبرى برائحةِ الحفرْ
قبرٌ يضمكَ بعد أن
ضمتكَ كلُّ قلوبنا زمناً
وما زلنا بشعركَ نأتزرْ
(لا تعتذرْ عما فعلتَ)
صنعتَ تاريخاً نحبكَ باسمهِ
وزرعتنا صوراً تباغتها صورْ
(والعابرون) سيفرحون سيجلسون القرفصاءَ
يقول آخرهمْ من القوقاز شاعرهم مضى
لن يدركوا الكلماتِ باقيةً ويمضي العابرون مع الكلام بلا أثر ْ
لا غيمةً بالشعر بعدكَ سوف نرقبها
فنمْ يا سيدي ما شئتَ دعْ عملَ السفينةِ
للذي ربحَ الرهانَ وما أتاك ليعتذرْ
وأكتبْ عن اللا وقتِ عن لغةِ الحديثِ
رأيت دارجةً أم الفصحى هناك ؟
فكلُّ أسئلةِ الوجودِ
وكلُّ أسئلةِ الغيابِ على غيابكَ تزدهرْ
(لا تعتذر عما فعلت) فإننا
من بعد ما لوحتَ في شفةِ الرحيلِ
سننكسرْ
كريم معتوق |
الثلاثاء, 26 اغسطس, 2008
الاحد, 24 اغسطس, 2008
|
عبد الناصر الذي كاد أن يكون ... | ||
|
2008-08-21 | ||
بدءاً، أقرّ بعدم مقدرتي على أن أكون محايدا تماما في استعراض ظاهرة "الزعامة" عند التطرق لجمال عبد الناصر، فأنا من الجيل الذي انفتح على الوعي وعبد الناصر كان ملزمة في أسرتي ومدينتي بنغازي بل وليبيا كلها وبلاد العرب، ولن يمنعني ذلك من المحاولة..
نحن بني يعرب، تحكمنا ثقافيا ثلاثة اعتبارات: -1 القلب، عندما يكون موقفنا بدواعي العاطفة وما يحب الإنسان أن تكون عليه الأمور (أية أمور! كانت) وما قد ينجذب إليه هذا الإنسان إلى شيء ما بكونه معبرا عن مكنونه.. -2 العقل، ولكلٍ؛ عقل أيا كان، وهو ما قد يراه إنسان بحكم تحكيم العقل وإعمال الفكر، والكل مرتبط أيما ارتباط بمقدار وعي "الإنسان" في برهته، وتتفاوت رجاحة "الموقف" المتخذ اعتمادا على "صحة" أو وجاهة بيانات وعي صاحب الموقف، -3 الروح، وأقصد بها هنا ما قد يكون الجمع بين الاثنين أو استقرار في منهج وعقيدة يعتقد بها الإنسان ورثها صغيرا من بيئته أو بفعل اجتهاد تحصيل ووقف عندها راضيا مستقرا، وهي كما يقول رضي الله عنه الإمام أبو حامد الغزالي ما معناه "يفتح الله صدرك ويقذف فيه الإيمان" أو كما يشابه ما يقوله بعض من السلف: التسليم البسيط والقناعة به مع الإشارة على سبيل التدليل بـ "إيمان العجائز" ... قبل الولوج على زعامة جمال عبد الناصر وممارسته لها، لا مفر من استعراض حال مصر قليلا على مستوى التاريخ والسياسة والاجتماع ولو باقتضاب حتى نستطيع عرض موضوعنا هذا الخميس، مصر، شأنها شأن بلدان المسلمين والعرب، تحت الخلافة العثمانية التي تولدت عند أفول نجم بني العباس في بغداد، فحلـّت محلها، فئة قادها أشاوس حرب أفذاذ، من قبائل التركمان، استطاعت بناء امبراطورية تمتد عبر آسيا وأفريقيا ووسط أوروبا حيث توقفت على أبواب فيينا النمسا.. عانت مصر ومعها نحن، عندما أخذت مملكة آل عثمان التركمان في الأفول شأنها شأن غيرها من الأمم كما يقول سيدنا ابن خلدون، من التخلف والركود والسكون. يحلو لنا نحن بني يعرب بوضع مثالب الماضي على بني عثمان من آل تركمان، بل ونقول حتى استعمارهم لنا، كما ولو لم نكن نستعمر أنفسنا بأنفسنا، ونتناسى وننسى أن دولة بني عثمان قامت على أكتاف العرب وإسلام العرب، وأن قرابة نصف كوادر الدولة العثمانية طوال الخمسة قرون كانوا من بني يعرب، حتى وإن تترّكو أو تعثمنوا إن شئتم ! ... كلنا في الهم شرق و "ونشرق" في لعابنا أحيانا! مصر كانت أول ضحايا غزوات الفرنجة الجدد (بعد الصليبيين) في حملة نابوليون الشهيرة بنهاية القرن الثامن عشر، ثم أجلى الإنجليز الفرنسيس بتحالف مع آل عثمان، أصحاب العهدة في الحكم وإن كان متوليه طوائفهم من المماليك، وكانت هجمة الفرنجة الجديدة وما صاحبها بمثابة صعقة كهربائية لمجتمع غارق في الخمول استفاق منه عقبها، وأول المستفيقين كان محمد علي باشا الألباني وهو أحد المماليك من ذوي الصولة والجولة وبعض من الدهاء، وتمثل دهاؤه في التمكن من التخلص مبكرا عبر عملية تصفية دموية من منافسيه الطامحين لتبوأ مرتبته، فيما صار يعرف بمذبحة القلعة بمطلع القرن التاسع عشر (بالمناسبة بعدها ببضع سنوات قام باشا آخر، هذه المرة لدينا في ليبيا – يوسف باشا القرمللي – من إعادة إنتاج ذات المذبحة في مدينة بنغازي بسنة 1816 م وكان الضحايا شيوخ قبائل الجوازي، عندما رأى أنهم يشكلون خطرا على باشويته. ... والمذبحتين كانتا بعد "مأدبة")! سيدنا محمد علي عندما استقر له الوضع شرع في مشروعه المتمثل بإقامة مملكة لعائلته، كان مستنيرا واستفاد من تجربة غزوة الفرنجة، وتأثر بهم دون شك، وعزم على إنشاء دولة حديثة وابتعث الدارسين إلى فرنسا، ونجح إلى حد ما في تحديث نسبي لمصر وإخراجها، او إخراج هيكلية الدولة إلى العصر الحديث، بل وشرع في ترتيب الجيوش وقام بغزوات هو وابنه إبراهيم واستطاعت دولته بلوغ مرتبة عالية من حيث القوة العسكرية والاقتصادية، إلا أن ذلك العصر كانت دول عظمى تهيمن عليه (فرنسا، إنجلترا والإمبراطورية النمساوية الهنغارية) ولم تر السماح له بالتمادي فأحكمت عليه الخناق وقصفت أجنحته إلى حد ما في نفس الوقت التي كانت تخطط فيه للقضاء على ما بقي للمسلمين ومعهم آل عثمان من خلافة وقوة وتأثير، فالعالم أصبح لهم وهم في حاجة لأسواق ومناطق نفوذ يتقاسمونها بينهم وهم بالتأكيد قرروا القضاء على أي تواجد قوة إسلامية كبرى تنافسهم. شيئا فشيئا صار نفوذ الغرب عظيما في مصر ليس في تقليص نطاق حراكها خارج البلاد فحسب، بل حتى في التركيبة الاجتماعية الجديدة التي أخذت طابعا هجينا: عائلة مالكة برئاسة عاهل (خديوي) يحكم بتخويل اسمي من عاصمة الخلافة بالآستانة باعتماد من دول الغرب، حاشية ومقربون للعائلة يستظلون بها وبالدرجة الأولى من كبار ملاك الأراضي الزراعية وكبار الإداريين والعسكريين، ثم طبقة جديدة تتكون أساسا من الجاليات الأجنبية التي بدأت في التوارد على مصر إما باستدعاء من الحكومة في سبيل تحديث الدولة أو من المستوطنين من ذوي الميزة نظرا لتأهلهم المهنى وما يتمتعون به من حصانات. كارثتي قناة السويس والتوسع في زراعة القطن ما رسخ هذه التركيبة حدثان عظيمان، تمثل الأول في تنفيذ مشروع حفر قناة السويس ثم إدخال الإنجليز لزراعة القطن على نطاق واسع بأكثر مما تحتاجه البلد من قبل الإنجليز عند اندلاع الحرب الأهلية الأمريكية في 1865-1861 م وما نتج عنها من انقطاع توريد قطن الولايات الجنوبية بأمريكا لمحالج بريطانيا العظمى وكان لابد من بديل، فكانت مصر! بالدرجة الأولى. نتناول الحدثين لأهميتهما فيما سيحدث لمصر: قناة السويس أحدثت ما يشبه الزلازل في عالم التجارة الدولية، فلقد اختصرت المسافة إلى أكثر من النصف ما بين أوروبا وأسواقها ومستعمراتها في آسيا. المشروع قام به الفرنسيون عن طريق شركة مساهمة طرحت أسهمها بالسوق حازوا فيها نصيب الأسد وخصص جزء منها للدولة المصرية أو الخديوي إسماعيل، بريطانيا التي لم تكن تعتقد كثيرا بالجدوى استيقظت متأخرا بعد تحققها لما توفره لها القناة من سهولة الوصول لمستعمراتها في الهند وتجارتها مع الصين. خشيت على ممتلكاتها ومصالحها والطريق إليها فغيرت رأيها واهتمت بمصر بهمة انتهت في خاتمة المطاف باحتلالها وإعلان الوصاية عليها، بمعنى أن الاستقلال النسبي لمصر انخفض مقداره لحد كبير جدا، منطقة قناة السويس المصرية أصبحت بمثابة منطقة محتلة لا سلطان للخديوي عليها. هذا الخديوي كان مأخوذا أصلا بالحدث والحداثة القادمة معه وصار يقلد الغرب بل ويحاول تحويل مملكته إلى قطعة من أوروبا فأهدر أموالاً لا حصر لها في تشييد العمائر وفي مشاريع عديدة بكلفة مرتفعة لم تتحملها خزائنه فأخذ يقترض بل وباع أو ارتهن جزءاً كبيراً جدا من أسهم الدولة المصرية في قناة السويس، من ضمن مشاريعه الغريبة وعلى سبيل المثال لا الحصر، إصراره على إقامة دار للأوبرا حيث كلف الموسيقار الإيطالي الشهير (فيردي) بتأليف أوبرا (عايدة)، هذا التكليف لوحده، ولكي نتبين مدى التبذير بل السفاهة التي وصل إليها الخديوي اسماعيل، وصل لمبلغ مئة وخمسين ألف فرنك ذهب، ولا يدخل في ذلك ما أنفق على الإخراج والديكور والملابس (لا ندري ما استفاد الفلاح المصري أو عامل السخرة »الرقيق« من هذه الأوبرا!)، لا بد أن نضيف أن من تغلب على إسماعيل باشا في مثل هذا الإسفاف هو شاه إيران السابق في الاحتفال بذكرى مرور ألفي عام على إنشاء بيرسيبوليس حيث كاد أن يفرغ خزانة إيران، وكل ذلك عشقا وتماهيا في الروم والفرنجة والأنغلوساكسون! ... . لو كان "العز بن عبدالسلام" حيا وذا قضاء، لحجر على الاثنين! قناة السويس أسهمت في تشكيل الطبقات، المسحوقة منها (عمال السخرة والفلاحين) والطبقة المتميزة المدعية بأرستقراطية (ملاك الأراضي الزراعية وذوي العلاقة بالقصر) وطبقة "الخواجات" الأجانب ثم طبقة البيروقراط المصرية الوطنية، قليلة الشأن نوعا ولكنها كانت تجاهد وتكافح، إلى جانب كل هؤلاء طبقة بورجوازية صغيرة (سكان المدن والبلدات) من تجار وموظفين ومهنيين. المأساة الكبرى لقناة السويس أنها رسخت الفرقة بين كل هؤلاء والطبقة المسحوقة للنخاع من عموم المصريين وتحديدا الفلاحين وعمال السخرة الذين تم جرّهم قسرا للعمل في حفر القناة ويعاملون معاملة لا تمت للإنسانية بصلة ويموتون هناك، الحيوانات التي كانت تستخدم في عمليات حفر القناة من حمير وبغال وإبل، كانت تعامل بطريقة أفضل! هذه الطبقة في تقديري قد تصل إلى %70 من الشعب المصري.... والجناة؟ الأجانب ومن تعاون معهم من أهل البلاد! القطن القطن! المأساة الثانية التي ربما زادت من معاناة الشعب المصري أضعافا أخرى، هي إدخال الإنجليز لزراعة القطن على نطاق واسع في مصر (القطن معروف في مصر منذ القدم ولكنه للاستعمال المحلي)، وكما أسلفنا السبب هو انقطاع تدفق قطن الولايات الجنوبية من أمريكا (والذي كان ينتج بالمناسبة من قبل الرقيق الأفارقة المستعبدين قسرا). نجحت تجربة زراعة القطن وحلت مشاكل محالج ليفربول البريطانية إلا أن القطن المصري (طويل التيلة المتميز) صار سلعة تجارية دولية ذات شأن وتعيير في بورصات العالم ومضارباتها، ومن الذي استفاد؟ .... ثلاث فئات لا غير! وليس من بينهم صاحب المصلحة! سماسرة القطن وبورصته في مصر والعالم، ثم الإنجليز بكونهم تحصلوا على سلعة مطلوبة وذات مكسب وجدوى، ثم؟ ... ملاك الأراضي الزراعية الكبرى في وادي نهر النيل والدلتا. وهنا نتوقف قليلا لنتعرف على ما أصبح يعرف بالإقطاع: الإقطاع الإقطاع في مصر لم يتأسس كما سنوه في أوروبا، أي من قبل أمراء ولوردات وبارونات تملكوا الأراضي واستعبدوا الناس – لحمايتهم كما كانوا يبررون – بل بفعل منح مباشر من صاحب بيت المال في مصر، ومن هو صاحبه؟ ... الوالي أو المملوك أو الباشا ومن بعده الخديوي، أي الذين تولوا أمر حكم مصر، وكيف؟ لإن مصر فتحت على يدي عمرو بن العاص عنوة، أي ليس صلحا، بل حربا، والسبب؟ المسلمون قاموا بالغزو والحرب ضد الرومان، حكام مصر، الذين كانوا يشكلون تهديدا للدولة الإسلامية الناهضة، والتوصيف الشرعي؟ ... كل بلد يفتح عنوة تؤول أراضيه لبيت مال المسلمين ويسمح لمالكها السابق أو مستغلها بالاستمرار في استثمارها مقابل دفع العشر لبيت المال. عادة لا يسمح بالتنازل عن ملكية عقار تعود لبيت المال، ولكن في ظروف محددة عينها الفقهاء قديما، كان ذلك لا يسمح به إلا في حالات معينة تتعلق بالمصلحة العليا للأمة، وحيث أن الأمة "تطرطشت" وانتصب على مقعد الحكم أناس أخر دون شورى (يعني بلا ديموقراطية بلا كلام فاضي)، صار الجالس على كرسي العرش ينصب نفسه أمين بيت المال، ومن ثم كانت الأراضي والإقطاعات تمنح على الهوى، إما مكافأة على تعاون أو على سبيل مرتب تقاعد أو ثمن يدفع لكي يبتعد فلان أو علان عن التفكير في أشياء أخرى! من قام بهذا في مصر تحديدا؟ ... حسنا، القائمة طويلة ولكنها تبدأ من الممالك والمماليك من حين آل بني أميّة وصولا لمحمد علي باشا، ونهبت مصر وبيعت وأعطيت لغير أصحابها المستغلين لها وامتهن الفلاح الكادح من الفجر إلى العشاء وأصبح "يباع" مع الأرض التي يجلس فوقها مثله مثل الأنعام! وهكذا عندما صار للقطن إقبال ترسخ الوضع أكثر ولم يستفد الفلاح الذي ينتجه سوى بعض من فتات! وتكونت ثروات سمحت بشراء ألقاب الباشوات والبكوات وأصحاب السعادات. طرفة فتوى إيطالية في ليبيا! انتقل بكم لطرفة لعلها تخفف وقع المقال وطوله: في ثلاثينات القرن الماضي، عندما تمكن الإيطاليون بعد حرب استمرت عشرين سنة، من القضاء على المقاومة الليبية في إقليم برقة، شرعوا في إنشاء المشاريع ومنح امتيازات بها لشركاتهم، هذه الشركات كانت تريد أوراقا شرعية لإثبات ملكية الأراضي الزراعية في بورصات إيطاليا، فما كان من الإيطاليين إلا أن قاموا بالبحث والتنقيب وعثروا على ما ذكرت آنفا بخصوص ملكية أراضي البلاد التي يتم فتحها عنوة ومن ثم بكونها تعود ملكيتها القطعية لبيت مال المسلمين، وما كان الأمين على بيت المال هذا، الذي هو الخليفة العثماني عند احتلال إيطاليا لليبيا في سنة 1911م ولما كان سيدنا الخليفة العصمللي قد أبرم معاهدة صلح مع إيطاليا في مدنية لوزان بسنة 1912 م تنازل فيها عن كل صلاحياته الشرعية وحقوقه في ممارسة السلطة (طبعا لم يتنازل عن حقه في ممتلكاته "الخاصة" في ليبيا) وكذلك أقر واعترف بأن ليبيا أصبحت إيطالية، حسنا وبناء على ذلك خرّج فاشست إيطاليا بأن "الأمين" على بيت مال المسلمين في ليبيا الآن هو (قصير الضرطة) أومبرتوا ملك إيطاليا، وبالتالي يصبح لسيدنا الملك الإيطالي الحق في إصدار مرسوم يسحب فيه حق "الانتفاع" من مواطني الجبل الأخضر في برقة! لماذا؟ لأنهم لم يسددوا العشر السنوي عن دخلهم، ولما كانت إيطاليا مقدرة وحنونة، خصوصا بعد تبينها حالة الليبيين الغارقين في البؤس والفقر، لذلك أعفتهم من تسديد العشر وطلبت منهم الانسحاب من الأراضي بهدوء ووعدتهم ببضع فرنكات على سبيل التعويض (ابشروا يا أهل فلسطين!) وهكذا صار ... ما سلف هو فحوى "فتوى" إيطالية إسلامية، هل تعرفون من حررها؟ ..... السيد العالم المستشرق "نيللينو" ، وهو شيخ الاستشراق في بلاد المعكرونة .... العبرة؟ .... استشراق؟ أكاديميا؟ بحوث علمية؟ تسهيل استعمار؟ .... اللهم ارحم حبيبنا "إدوارد سعيد" مؤلف كتاب الاستشراق! لمن يشك في معلومتي أفيده بأن لدي نص فتوى الشيخ "نيللينو" بلغتها الإيطالــية الأصليـــــــة! نيللينيو NELLINO أفنى عمره في دراسة الإسلام واللغة العربية. مصر التي نحب وما لا نحب لها! نعود لمصرنا التي نحب ويؤلمنا ما لا نحب لها، في نهاية القرن التاسع عشر تكبلت الدولة من ثقل أحمال الديون التي أنفقت في عبثيات وترّهات لا فائدة منها ولا يحزنون، فما كان للدول العظمى إلا أن تأتي لمصر هذه المرة بمنطق جديد: رقابة موارد الدولة المصرية وضمان عدم "شعترتها" وتسديد القروض وفوائدها للدائنين الأوروبيين، الهيمنة على الحكومة بحيث تعمل تماما ما يقال لها في باريس ولندرة في هذه الآونة تشكلت في مصر طبقة من الوطنيين الذين لم يتحملوا الغبن، وكانت ثورات، دنشاوي، عرابي ... الخ. ولما كانت مصر قلب الإسلام والعروبة النابض (شاء البعض أم أبى) فلقد اهتم أهل مصر (من غير المدهنين) وانتبهوا لما يدبر لهم ولإخوانهم خصوصا بعد الاحتلال العسكري المباشر لمصر من قبل الإنجليز1882م وما يحاك في سبيل القضاء على "هوية" المسلمين والعرب عموما ومن ثم ضرورة التوعية والحشد للأمة، فكان جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومن قبلهم الكواكبي .. الخ. ونشطت في مصر حركة تدعو للتصدي للقادم من الشمال! العازم طرّا على الهيمنة على الجميع، بالمال بالسلاح بالثقافة ... بجميع الوسائل. في بدايات القرن العشرين، ظهرت صحافة وخرجت كتابات في المضمون لطفي السيد – إلى حين- عبد العزيز جاويش (من مواليد بنغازي) 1861 م سعد زغلول (والذي يتنازع البعض إلى الآن في كونه استقطب أم لم يٌستقطب من طرف إخوتنا الإنجليز).... استقر الحال على المطالبة بالاستقلال والجلاء كيفما كان، ولم يكن ذلك سهلا، استعرّت الحركة التي صارت وطنية وعانى منها الإنجليز وأصحاب العرش المعينين، ثم الاتفاق على دستور وإلغاء الحماية و"استقلال" بشكل ما ولكن مع دوام احتلال القنال. في عام 1936م كان اتفاق آخر، أخذ فيه الاستقلال طابعا أكثر وضوحا، وفي هذا العام سمح لأول مرة بدخول الكلية العسكرية لعامة الناس، وهي السنة الفصل، لصاحبنا جمال عبد الناصر وصحبه، إذ تمكن أبناء "البورجوازية" الصغيرة من دخول المراتب العلى التي كانت قصرا على أهل الحظوة. أحسب أنه كان في وعي جمال عبد الناصر ما تليت سلفا، وعند تأملنا أحداث الحقبة التالية: الحرب العالمية الثانية والتهديد بضياع مصر من يد الإنجليز، وحسم أمر إعادة تعيين النحاس رئيسا للوزراء في يوم 4 فبراير تحت وطأة دبابات بريطانيا، انتهاء الحرب وبدء مأساة فلسطين والحرب هناك ثم المرارة من الهوان وحال الفقر والبؤس وهيمنة الأجانب والإقطاع وقناة السويس وملكية خانعة خائبة وارستقراطية تعاني من عقد النقص ... إلخ. ثم تيار وحراك إسلامي جارف متمثل في حركة الإخوان المسلمين وبعض حراك من جماعة أهل اليسار لا يظهر للعيان سوى في مجال الثقافة والبيان. عبد الناصر كان مهموما بقضايا الوطن، ومن هنا شرع في التدبير والتخطيط وجمع من حوله أفراد من طبقة العسكر وقليل من أهل الفكر، نجح في انقلاب، سرعان ما تحول إلى "ثورة" فعلا وتفعيلا، لقد كان الرجل ينطق بما يحب أن يسمعه شعبه.. بل حتى بما كنا نحن نحب أن نسمعه في ليبيا وبقية أوطان العروبة والإسلام بل وحتى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، في بضع سنين ماذا كان يريد عبد الناصر أن يفعل؟ الاستقلال الكامل لمصر، إجلاء القوات البريطانية، مكافحة الفساد، إصلاح الدولة والقضاء على الإقطاع، إقامة الحكم الرشيد، الإصلاح الزراعي والاقتصادي، التعليم العام المجاني، الثأر لهزيمة 48 في فلسطين، وربما التخلص من شركة قناة السويس –الفرنسية- المتمتعة بحماية الإمبراطورية البريطانية.. ثم و من بعد؟ .... بعد أن هاجت به الجماهير حبا، في مصر وبلاد العرب وغيرها ..... الوحدة العربية، الحياد الإيجابي، دعم حركات التحرر ومكافحة الاستعمار، ثم والأهم من ذلك كله، صار الرجل زعيما لأننا كلنا في ذلك الوقت أردنا ذلك! كنا نبحث عن زعيم! المشروع كبير، واللحاف قصير، وإن كان هنالك أمل في أن يطول بدعم وزخم ... ولكن، وكالعادة، "الآخر" متربص، الغرب وماضيه وتاريخه وطموحاته، كان متربصا، لم يكن يخشى كثيرا من عبد الناصر لشخصه، ولكنه ارتعب مما يمكن أن ينتج عن خطابه في مصر والأخطر منها، رحاب عالم العرب والإسلام ودول العالم النامي، فالرجل لم يكن سوى عسكري من دول العالم الثالث، وطني عفوي، متحمس، تصادف أن كان خطيبا مفوها يلامس القلوب والعقول أيضا من حيث الذاكرة، لاقى صدى عظيما، القضاء عليه أو احتواءه لم يكن صعبا، ولكن إن قدر لخطابه السريان فجمهور المتلقين عظيم ورحابهم يغطي رقعا شاسعة من العالم بالغة الحساسية الإستراتيجية وقد يمس مصالحهم إلا أنه رأوا التريث إلى حين . سير الأحداث كان بوتيرة سريعة، انتهت الملكية وذهبت طبقات الحكم الأولى بعيدا، وتولى نصاب الدولة شباب بدوا وكأنهم لا يخشون شيئا، انضوت مصر كلها تحت لوائه، بمن فيهم أهل الحراك الإسلامي، ألهب المشاعر! ولا يلام الرجل أن شرع في مشروعه، أخذ يقلص من حجم تأثير رأس المال القديم ومن في ركابه من دهاقنة السياسة المعتادين، إصلاح زراعي، تأميمات، تعبأة جماهيرية ... صارت مصر تحكم من قبل مصريين لا غير ... لأول مرة منذ زمن بعيد! باشر بالإنجليز، ونجح في ترحيلهم فما كان لهم من عزيمة على المقاومة، أخذ في وضع المشاريع الكبرى .... السد العالي، مٌنع التمويل فعجل بالتأميم، قناة السويس آخر معاقل الكبار. حرب 56 ارتعب القوم وقرروا، الإنجليز والفرنسيس اتحدوا ومع آل عبران، المتوجسين شرا، تآمروا ثم ضربوا حرب 56كاد عبد الناصر يذهب سدى، التفاف شعبي منقطع النظير، مقاومة شعبية غير متوقعة (بورسعيد)، موازنات دولية، إنذار الرفيق " بولجانين"، غضب أيزنهاور من الحلفاء الأقدمين وعزوفه عن تغطيتهم ودعمهم كما كانوا يتوقعون (لإنهم لم يستشيروه؟ أم لأنه كان يريد انقضائهم؟ حزر فزر!) في الختام باءت الحملة بالخيبة وانتصر عبدالناصر! من الذي كان يستطيع في ذلك الوقت أن يطعن في الزعيم؟ ... اكتسح جمال الجميع، جاؤوا إليه أهل الشام للوحدة طالبين، توحد البلدان، وبقصر نظر البعض من الجهتين لم يتحقق المنشود، وكانت أولى الخيبات، ثم لمواجهة تمنّع الغرب عن التعامل والتعاون اضطر للجوء للشرق، الاتحاد السوفييتي وركبه، ثم الاشتراكية والتأميمات وتوليد ديناصور "القطاع العام" وبعدها "اليمن"، هذه لوحدها يستحق عليها الجائزة، وإن كانت الكلفة جد عظيمة، ثم الحرب في 67 والكارثة التي نتجت عنها ... نجاح هنا وفشل هناك! ... لماذا؟ الاعتداد بالرأي؟ إعلان الحرب على الإسلاميين وبالتالي فقدان اللٌحمة؟ الاضطرار للشرق بسبب نفور وعزوف الغرب؟ إعادة إنتاج "البوليس السياسي" خاصة الملك فاروق؟ مباحث ... أمن .... مخابرات.. إعلام على الطراز السوفييتي؟ شطيطح بن طيطح؟ زمرة الطبل الزمر المتزلفين؟ تغييب الرأي الآخر؟ .... شطحات الحلفاء اليساريين ثقافة؟ تكون طبقة بيروقراطية عسكرية؟ مركزية السلطة؟ معلومات خطأ؟ أم هي مجرد عدم مواءمة الديمقراطية مع طبقة العسكرية؟ أيًا كان الأمر، أحمال وأعباء الرحل كانت مما تنوء به الجبال! استيقظ بعد نكبته ، وأخذ يراجع ذاته، وتصدى لدرء ضرر الموبقات وأخذ في محاكمات (فساد المخابرات؟!) ثم باشر بالاستعدادات لاستعادة المسلوبات وكاد يحقق ... إلا أن المنية وافته، وجاء بعده غيره، تلك سنة الله في خلقه ... ونعود نسأل: كيف نحكم عليه؟ ... من جهتي أعلنت مقدما بأني لن أستطيع أن أكون محايدا، فأنا وعيت على الدنيا أنا وأسرتي نحب الرجل، أتذكر شقيقي الأكبر عندما أحضر صوراً في إطارات لتعليقها في "مربوعة" الوالد، لم يمانع أبي فلقد كانت لمجلس قيادة الثورة المصرية وأخرى لجمال عبد الناصر وبجانبه محمد نجيب، هل ما زلت أحبه؟ لا أدري ولكنه كان ينفخ فينا روحا! مازلت أعاني .... منه! فشل وانتكس وتسبب في أذى واعتقال وتعذيب وقتل بالآلاف، ثم جعل من جماعة البصاصة والعساسة يصولون ويجولون ويصنفون ويكتبون التقارير ويكيلون التهم بالباطل يمنة ويسرة، ماذا أقول؟ فعلها كثير غيره ممن سبقوه وبه لحقوا... أو لم يكن زعيما؟ نعم كان زعيما ... وكاد يكون "الزعيم" ... هل نحن بحاجة لزعيم؟ لا أحير لكم جوابا .... لكل جواب، فليبحث كل واحد عن جوابه! بقلم : رمضان جربوع |
الخميس, 21 اغسطس, 2008
الخميس, 14 اغسطس, 2008
الثلاثاء, 05 اغسطس, 2008
الجمعة, 01 اغسطس, 2008
<<الصفحة الرئيسية











