هذيان
كانت حرارة الشمس حارقة, أرضية الطرقات حارقة , ينساب صوت المذياع عاليا بأخبار حارقة عن معارك لبنانية لبنانية حارقة , تعبق أنفى
رائحة الحريق تتصاعد من أصابعى , نظرة استطلاع جزعة الى أصابعى
لأكتشف أنها سيجارتى تكاد تحرق أصابعى بعدما التهيت عنها بأخبار القتال بين الأخوة فى لبنان , ألقيتها على الأرض , ورحت أتابع الدخان
المتصاعد من بقاياها , انتبهت الى ظلى متمدد أمامى فوق الأرض .. قزم
قصير .. لماذا هو بهذا التقزم ؟ لماذا هو قصير بهذا الشكل لو استقام واقفا
ما طاول ركبتى ؟ ترى هل هذا مجرد ظلى ؟ أم تراه حقيقتى ؟
ماقصة هذا الظل ؟ أراه أحيانا طويل القامة أطول منى !!! أحيانا أخرى
أجده قزما قصيرا !!! ويظل يتحرك عن يمينى وعن يسارى !! ماباله
تارة يسبقنى وتارة يتبعنى ؟؟ هل هى قوانين اسقاط الضوء كما علمونا
صغارا ؟ أم تراه يسخر منى ؟ أم أننى قد صرت أضيق ذرعا بظلى ؟!
ناديته فلم يستجب .. لعنته فلم يعرنى انتباها !!! أغاظنى صمته .. تحديه
لى ... لماذا ياظلى تظل تتبعنى ؟ لقد تعبت من رفقتك ..ومن صمتك ....
لم لاتغادرنى وتبتعد عنى ؟
تصاعدت وتيرة الهذيان عندى , وغاضبا استدرت كى لا أراه .. رفعت
رأسى الى أعلى .. غشيتنى الشمس .. حجبت الضوء عن عيناى بكفى
وساءلت الشمس :
لماذا فى كل يوم تشرقين ؟ لماذا اصرارك على أن تبعثى الينا بكل هذا
الكم الهائل من أشعتك الحارقة ؟ألا تدركين أننا قد ثقبنا السماء ؟ ألا تعلمين
بأن ثقب الأوزون الذى صنعناه بجهلنا يتزايد اتساعا يوما من بعد يوم ؟
لم لا ترحلين عنا فترتاحين منا ومن مشاكلنا ؟
وأجابت الشمس : - أيها الجاهل .. لماذا أنت غاضب من ثقب الأوزون ؟
ألا تقولون رب ضارة نافعة ؟ لعله فائدة !!! لعل أشعتى تصل اليكم أقوى
ربما أمكنها أن تنير عقولكم المظلمة كى تدركون حقيقتكم أيها المجانين
يامن تقتلون ظلكم .
سألتها متعجبا وقد صادف حديثها توافقا مع حديثى مع ظلى :
وكيف نقتل ظلنا أيتها الأم ؟!
أجابت الشمس :- لقد تباعدت بينكم المسافات , وضيعتكم وضاعت منكم
الطرقات . همست مهمهما بأنى لم أفهم , لكنها التقطت همهمتى وأجابت :
- أيها الحمقى ... لقد كنت بنفسى شاهدة ذات يوم على مجدكم , وعاصرت
أزمان عزكم , هل تنكر أنكم كنتم أمة واحدة قوية عزيزة مهابة ؟ وكيف
أنتم الآن ؟ ألستم غارقون فى الذل والهوان ؟ انظر حولك !! ألاترى كيف
يبتعد اللبنانى عن ظله ؟ وكيف يقاتل الفلسطينى ظله ؟! والعراقى من
سنوات خمسة خلت مازال فى كل يوم يقتل ظله ؟؟!! انظر انظر ألاترى
اليمن والصومال؟ وكيف هى الجزائر والمغرب والسودان؟ أما زلت تنكر
أنكم مجانين ؟
رحت أتمتم مؤمنا على قولها : والله انا حقا مجانين , تابعت الشمس وكأنها
لم تسمعنى أو لعلها تظاهرت بذلك :- لقد فقدتم أنفسكم حين تحولتم الى دمى
فى مسرح للعرائس خيوطكم مربوطة بأصابع خارج بلادكم ووالله لقد
تعاميتم عن أنها لا تبغى عزة لكم وانما مبتغاها أن تسرق خيراتكم .
طأطأت رأسى خجلا .. فصراحتها قاسية .. وهذا فعلا واقع حالنا منذ أن
تزعمت اسبانيا الحرب الصليبية فى الزمن الغابر, أدرت ظهرى لها لربما
سكتت فلقد آلمنى نكأ الجراح , لكنها لم تسكت, ظلت تتابع حديثها وكأنما
فطنت لما أخفيه :- تجاهلنى كيفما شئت ... لكنك لن تستطع انكارا بأن
قولى هو الحق, وصدقنى .. صدقنى .. انى أراها .. أنامل صهيونية وأخرى أمريكية تحرك الدمى فى مسارح للعرائس فى لبنان , فى العراق
وفى فلسطين وغيرهم , انى أيضا على يقين من أننى أبصرهم الآن
يحاولون بناء المزيد من تلك المسارح فى مصر فى المغرب فى سوريا
فى موريتانيا وفى أماكن أخرى كثيرة من بلادكم و..
صرخت فى وجه الشمس مقاطعا :- كفاك كفاك , لقد أذللتنى وعريتنى
وأنا من كان يلتحف بعباءة العروبة رغم تمزقها ويتخفى تحت قناع الشموخ بأمة عربية رغم اعتلال بعض من أركانها و..
أسكتنى صراخها ولهجتها الغاضبة :- أيها الكاذب .. أنت نفسك كاذب
ألست أنت بنفسك من كتب ديوانه الأول بعنوان ( أنا هارب من عروبتى)
أتخدعنى أم تخدع نفسك ؟ أم تظن أنك قادر على اخفاء غبائكم ؟,,,,,
ماذا حدث لكم ياعرب ؟ هل سكرتم برائحة النفط ؟ أم بدراهمه ؟
هل نسيتم الأجداد وأمجادهم ؟ أم تناسيتم ؟ وكيف فى حضن الأعادى
غافلين أو مغفلين قد ارتميتم ؟ أعاديكم ما زالوا على العهد باقين , ثابتون
على المبدأ غير منحازين عن الطريق القديم , ديدنهم فرق تسد , وبيع
الأوهام لكم والتربص بكم , وأنتم ... لافخرت الأجداد بكم ولا ارتاحت
تحت الثرى عظامهم من أفعالكم ..
غضضت بصرى عن الشمس خجلا , فيما توارت هى خلف الغيوم غضبا
فى حين استمر صوتها مجلجلا فى أذنى غاضبة تقول :
- حسبى الله فيكم ونعم الوكيل يامن نسيتم الله فأنساكم أنفسكم.. توبوا الى
الله .. عودوا الى الله ينجيكم .. الله أكبر ..الله أكبر .....
فتحت عيونى , تلفت حولى , نهضت من قيلولة الظهيرة على صوت
آذان العصر ينطلق من المذياع الذى تركته بجانب الفراش وغفوت وأنا
أتابع أنباء حرب لبنان , واكتشفت أن زوجتى قد أغلقت مكيف الهواء
أثناء نومى حرصا منها على صحتى , وحمدت الله على أنه كان مجرد
كابوس أو حلم مزعج أثناء قيلولة الظهيرة , لكنه حقيقة قد أثار فى عقلى
تساؤلات كثيرة , فعلا لقد كانت الشمس محقة فى كل أقوالها , وما أصابت
الا كبد الحقيقة .
------------------ محمود سالم
بنغازى فى 9/5/2008